أعلن أحدُ المغرِّدِينَ المعروفِينَ، توقُّفَه عن خوض السِّجالات في شهرِ رمضانَ، معلِّلًا ذلك برغبتهِ في التفرُّغ لروحانيَّة الشَّهر، والابتعاد عن الخُصوماتِ. ولم يكنْ وحده؛ إذ اختار عددًا من النَّاشطِينَ على منصَّة «إكس» -التي عُرفت سابقًا بـ«تويتر»- أنْ يعلِّقُوا معاركهم الافتراضيَّة؛ احترامًا لرمضانَ، وما يحمله من قِيم التَّسامح، وضبط النَّفس. بدت الخطوةُ في ظاهرها لافتةً، بل مبشرِّةً؛ إذ تُوحي بإمكانيَّة أنْ تتحوَّل هدنةٌ مؤقتةٌ إلى مراجعةٍ أعمقَ لثقافة الجدل المستمرِّ التي اجتاحت الفضاءَ الرقميَّ العربيَّ.
لكنْ ما لبثت هذه الهدنةُ أنْ تراجعت سريعًا، وعاد كثيرٌ من أصحابها إلى الميدان الافتراضيِّ بذات الحماسةِ، وكأنَّ الصِّراعَ صارَ جزءًا من إيقاع الحياة الرقميَّة اليوميَّة. فالمشكلةُ في الحقيقةِ لم تعدْ مرتبطةً بأشخاص بعينهم، بل بطبيعة البيئة الإعلاميَّة الجديدة، التي ألغت المسافات، وفتحت البابَ لكلِّ رأيٍ، ولكلِّ انفعالٍ؛ ليصبح مادةً للنِّقاش، أو للنِّزاع.
لأجيالٍ طويلةٍ، كان المشهدُ الثقافيُّ والإعلاميُّ العربيُّ متمركزًا في عواصم محدَّدة: القاهرة، وبيروت، ودمشق، وبغداد، وتونس، والخرطوم. هناك كانت دورُ النَّشر الكُبْرى، والصُّحفُ المؤثِّرةُ، والمنتدياتُ الفكريَّةُ التي شكَّلت الوعيَ العربيَّ الحديث. وكان أبناءُ الخليج، والجزيرة العربيَّة يقصدُونَ تلك العواصم؛ طلبًا للعلم، أو للنَّشر، أو للحضور الثقافيِّ.
في ذلك الزَّمن، بدا التفوُّق الثقافيُّ والإعلاميُّ لتلك المراكز أمرًا طبيعيًّا، بحكم تراكم التجربة والمؤسَّسات. لكنَّ العقود الأخيرة حملت تغيُّرًا كبيرًا في المعادلة. فقد شهدت دولُ الخليجِ نهضةً تعليميَّةً واقتصاديَّةً وإعلاميَّةً واسعةً، رافقها تأسيسُ مؤسَّسات إعلاميَّة عابرة للحدود، وظهور منصَّات، وقنوات، وشبكات مؤثِّرة في المشهد العربيِّ.
ومع هذا التحوُّل، ظهر جيلٌ جديدٌ يمتلكُ أدوات إعلاميَّة مختلفة؛ جيلٌ نشأ في عصر العولمةِ الرقميَّة، وتعلَّم أنْ يصنعَ حضوره بنفسه، دون الحاجة إلى المرور عبر البوابات التقليديَّة للنَّشر والتَّأثير.
جاءت وسائلُ التَّواصل الاجتماعي لتقلبَ المشهدَ رأسًا على عقب. لم تعد الصحيفةُ، أو القناةُ الفضائيَّة هي المنبر الوحيد للرَّأي العام. أصبح كلُّ صاحب هاتفٍ ذكيٍّ قادرًا على امتلاك منصَّةٍ، وأحيانًا جمهورٍ من مئات الآلاف أو الملايين.
هذه المساحة المفتوحة أفرزت ظاهرة المؤثِّرِينَ الرقميِّينَ، الذين تجاوز تأثير بعضِهم تأثيرَ المؤسَّسات الإعلاميَّة التقليديَّة. لكنَّها في الوقت نفسه، أطلقت موجاتٍ من السِّجال والاتِّهامات المتبادلة، وأحيانًا حملات من السُّخرية، أو الشَّماتة، أو الاستقطاب الحادِّ.
وما كان -في السابق- خلافًا فكريًّا بين نُخب محدودة، أصبح اليوم صراعًا علنيًّا، تشارك فيه جماهير واسعة، تتأثَّر بسرعة بما يُقال، أو يُكتب في لحظةِ انفعالٍ.
ولم يعد هذا الجدلُ محصورًا في إطارٍ جغرافيٍّ محدَّدٍ. فمع انتشار المنصَّات الرقميَّة، دخل إلى المشهد مغرِّدُونَ من مختلف البلدان العربيَّة، من الخليج إلى مصر، وبلاد الشام، وشمال إفريقيا، بل حتَّى من الجاليات العربيَّة في أوروبا وأمريكا.
هذا التوسُّع في المشاركة، جعل الحوارَ العربيَّ أكثرَ تنوُّعًا، لكنَّه في المقابل ضاعف احتمالات سوء الفَهم والتَّوتر، حين تختلط الخلفيَّات الثقافيَّة والسياسيَّة المختلفة داخل مساحةٍ واحدةٍ سريعة الإيقاع، لا تسمحُ دائمًا بالتَّأمُّل أو التَّحقُّق.
لا شكَّ أنَّ حريَّة التعبير التي وفَّرتها المنصَّاتُ الرقميَّةُ تمثِّل مكسبًا كبيرًا للمجتمعات. غير أنَّ الحريَّة بلا وعيٍ قد تتحوَّل إلى أداةٍ لنشر الانقسام، بدل تعزيز الحوار.
فحين تتحوَّل المنصَّاتُ إلى ساحاتٍ لتصفيةِ الحسابات، أو لإثارة النَّعرات، فإنَّ الخاسر في النهاية ليس طرفًا بعينه، بل المجال العام العربي كله، الذي يحتاج إلى قدرٍ أكبرَ من الرصانةِ والوعيِ، خاصَّةً في زمن تتكاثر فيه التحدِّيات السياسيَّة والاقتصاديَّة.
المفارقةُ أنَّ كثيرًا من المغرَّدِينَ الذين أعلنُوا «هدنةَ رمضانَ» عادُوا سريعًا إلى الجدل نفسه بعد أيامٍ قليلة، مبرِّرِينَ ذلك بأنَّ الطَّرف الآخرَ بدأ أوَّلًا، أو بأنَّ الردَّ أصبحَ ضرورةً.
وهكذا تستمرُّ الحلقةُ ذاتها: هجومٌ وردٌّ، ثمَّ هجومٌ مضادٌّ، بينما يردِّد الجميعُ العبارةَ المألوفةَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي صَائِمٌ».
ربَّما تكشف هذه المفارقة عن جوهر المشكلة: فالقضيَّة ليست في المنصَّة -بحدِّ ذاتِهَا- بل في طريقة استخدامنا لها. فالإعلامُ الجديدُ، الذي منح الجميعَ صوتًا، يمكنُ أنْ يكون أداةً للحوارِ والتَّقاربِ، أو ساحةً لفتنةٍ رقميَّةٍ لا تنتهِي.


