في مثل هذا الشهر الفضيل من عام 2010م، رحلَ عنَّا الأديبُ والشاعرُ وسفيرُ الدبلوماسيَّة الوزيرُ غازي بن عبدالرحمن القصيبي، بعد حياةٍ حافلةٍ بالعطاء والوطنيَّة المتدفِّقة، والرجولة التي شهدناهَا في مواقفهِ المتعدِّدة طوال مسيرة حياته، فضلًا عن أنَّه من ذوي المروءات والمبادرات الوطنيَّة التي لا تُنسَى.
وتُصنَّف هذه القامة الوطنيَّة، ضمن المُبدعِينَ المؤثِّرِينَ في مجتمعه، وكلُّنا نذكرُ معارضة بعض الوعَّاظ له، وحرصهم على النَّيل منه، من خلال ملك البلاد، الذي لم يستجبْ لمطالبِهم المُتشنِّجة.
صدرت له العديد من الكُتب في المجال التنمويِّ والفكريِّ والاجتماعيِّ، وما زلنا نذكرُ كتابه «حياة في الإدارة»، الذي لقي رواجًا منقطع النَّظير، وكتاب «الوزير المرافق»، وغيرها، إلَّا أنَّ معظم مؤلَّفاتِه أحدثت ضجةً كُبْرى، وبعضها تم منعها من التَّداول، لا سيَّما الرِّوايات، وبعض مقالاتِهِ.
وقد عَلِقَ في ذهنِي كلَّما جاء رمضانُ مقالٌ له بعنوان: «رمضانُ وداعًا»، وبواقعيَّة غازي القصيبي المعروفة، يتحدَّث ويصفُ رمضانَ بأنَّ «هذا الضَّيف رحلَ عنَّا منذ زمن، وحلَّ محلَّه رمضانُ آخرُ بملامح نعرفُ أقلها، وننكر معظمها»، ويذكرُ -على سبيل المثال- أنَّ رمضانَ القديم كان الطُّلاب يذهبُون إلى مدارسهم كالمعتاد، والموظَّفُون يمارسُون عملهم كالمعتاد، أمَّا رمضانُ الجديد فقد أصبحتِ الدراسةُ فيه عقوبةً جسديَّةً ومعنويَّةً قاسيةً، لا مبرِّرَ لها، أمَّا دوامُ الموظَّفِينَ فقد تحوَّل إلى نومٍ وخمولٍ؛ استجمامًا من سهر اللَّيلة السَّابقة، واستعدادًا للَّيلةِ مقبلة، ويتساءل: أيُّ هدفٍ من أهداف الصِّيام الربانيَّة يتحقَّق في رمضانَ الجديد؟، أيُّ تقوَى؟، أيُّ شعورٍ بمعاناة الفقير يحسُّ بها صائمٌ يأكلُ في ليلةٍ واحدةٍ ما يكفي قريةً إفريقيَّةً؟، وأيُّ صحَّة يمكن أنْ تجيءَ من التهامٍ لأطعمة تقودُ إلى مختلف أنواع المرض؟، وأيُّ روحانيَّة يحسُّ بها الصائمُ في شهر تطغَى فيه الماديَّة، بدءًا بالإعلانات، وانتهاءً بجوائز المسابقات.
يتحدَّث غازي القصيبي -يرحمه الله- عمَّا سمَّاه (أولمبياد الطَّعام)، والمسلسلات الرمضانيَّة، التي يستحسنُها العديدُ من النِّساء والرِّجال، والكبار والصِّغار، وليس فيها سوى عاداتٍ سيئةٍ يتأثَّر بها الصغارُ، ويتعلَّمُونَ العبثَ المتَّصل، والسَّهر المتَّصل.
رَحِمَ اللهُ غازي القصيبي رحمةَ الأبرارِ، فقد شكَّلَ رحيلُه خسارةً وطنيَّةً كبيرةً؛ لأنَّ أثرَه لم يكنْ في كتبهِ ومقالاتهِ فحسبْ، فقد كانَ صوتًا صادقًا يعبِّر عن هموم الوطن، وإنَّه المسؤول الذي حمل الأمانة بروح الإصلاح والعمل.


