Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

‏جانا العيد.. وجاك العلم

A A
‏العيدُ من أعظم الشَّعائر الدينيَّة عند المسلمِينَ، والتي شرعها اللهُ بتمام الطَّاعة من الصِّيام والقِيام، وهو من أيَّام الله؛ لتوزيع الجوائز على عباده المؤمنِينَ، خاصَّةً بخروجهم لصلاة العيد، وتقديم زكاة الفطر بنفسٍ راضيةٍ مرضيَّةٍ، أنَّها مظاهر لإدخال الفرح والسُّرور على الفقراء.. وتجسيد لمعنى التكافل الاجتماعيِّ، وترسيخ لوحدة الأمَّة الإسلاميَّة.

‏ونفرحُ بالعيد كمسلمِينَ بالرغم من الحرب الظَّالمة التي تتعرَّض لها دولُنا في الخليج العربيِّ.. وفلسطين الجريحة لا تزالُ تنزفُ من جرحٍ غائرٍ، ولبنان ينزحُ سكانُه جورًا وظُلمًا، ولكن لا بُدَّ أنْ نفرحَ بالعيد؛ لأنَّه من شعائرنا الدينيَّة، وقِيمنا العقائديَّة.

‏وحينما حلَّ شهرُ رمضانَ المبارك، هطلت علينا برامج ومسلسلات الدِّراما التلفزيونيَّة، وعلى جميع القنوات الفضائيَّة، ومنها الغثُّ، ومنها المنسوخُ، وقليل ما يستحق المشاهدة، وممَّا لفت انتباهي برنامج (جاك العلم)، والذي ربما أحسنت قناة MBC في وضعه بتوقيت مناسب، وهو بعد الإفطار، وجلوس الأُسْرة لتناول الشَّاي.. حيث يحتاجُ الإنسان لجرعات من الفرفشة، بالرغم من صعوبة اللَّهجة على البعض في البداية فقط، ثم لا يلبث المشاهدُ أنْ يتفهَّمها.

هذا البرنامج في موسمه الثَّالث، حقَّق مشاهداتٍ عاليةً، وإعجابًا كبيرًا من الجمهور، والمشاهدِينَ؛ لأنَّه يتناول قضايا اجتماعيَّة أسريَّة، وبقالب كوميديٍّ جميل وجذَّاب، كما أنَّ القضايا الاجتماعيَّة التي يتناولها هي فعلًا موضوعات السَّاعة، وطرأت على العالم الذي أصبح قريةً صغيرةً؛ نتيجة التطوُّر العلميِّ والتقنيِّ والاجتماعيِّ، حتى على مستوى وطننا العربيِّ، وعلى سبيل المثال حلقة الذكاء الاصطناعي، وحينما وضعت (أم صامل) الحلم الذي رأته، فسَّر لها الذكاء الاصطناعي بأنَّ زوجها متزوِّج عليها مسيارًا، وهبَّت نار الغِيرة عندها، وبدأت في ملاحقته.. ولكن لم يلبث أنْ أفهمها (صامل) بأنْ ليس كلُّ ما في الذكاء الاصطناعي حقيقيٌّ، بل ربَّما به بعض الأخطاء، وهنا التوعية الاجتماعيَّة جاءت، وأنَّ على المجتمع أنْ يكون حذرًا عند استخدام الذكاء الاصطناعيِّ.

كانت هناك 30 حلقة، جلُّها لمعالجة موضوعات اجتماعيَّة متنوِّعة، ومنها الظُّروف الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، فبينما (أبو صامل) رجلٌ غنيٌّ يكرم أصدقاءَهُ بالمناسبات من المفاطيح، وما لذَّ وطابَ، نجد جارَه أبا محمد فقيرًا، وزوج وضحى لم يسمح لزوجته بالعمل، إلَّا لأنَّها ستحصل على وظيفة بخمسة آلاف ريال، ومع ذلك يساومها إذا أرادت إيصالها لمشوار فيطلب منها ملء خزَّان سيَّارته بالوقود، وهنا فضَّلت التَّاكسي أرخص لها من ملءِ الخَزانِ!!

‏قضايا أُخْرى طُرحت بقالبٍ كوميديٍّ وتوظيف المرأة سكرتيرة عند الزَّوج وغِيرة أم صامل وموضوع (الفوبيا) عند بعض النَّاس، ففي الوقت الذي تقتلُ أم صامل الحيَّة، فهي تخاف من الصَّرصور.. وصامل يخاف من القطو.. وهكذا هي الحلقات أسلوبٌ كوميديٌّ ولكن بمعالجة العلم لهذه القضايا، وتوعية النَّاس علميًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا.. حتى في احترام الكبار وتقدير الأسرة وغيرها من القِيم التي بثت.

الحقيقة أنَّ شخصيَّة (أبي صامل وأم صامل) شخصيَّات كوميديَّة، وصلت لقلوب المشاهدِينَ بطريقةٍ عفويَّةٍ في معالجة القضايا، وبث التراث السعودي سواء في اللَّهجة النجديَّة الجميلة، ولبس البرقع، والحشمة من السيِّدات، ويقدم رسالة للعالم بأنَّنا نحن بديننا وأخلاقنا وقيمنا في المنزل، لكنَّنا نواكب التطوُّر العلميَّ والاقتصاديَّ والاجتماعيَّ؛ فالمنزل في أحسن ديكور، وبه شُرَفاتٌ وسطحٌ جميلٌ للتَّرويح وعمل المناسبات الاجتماعيَّة.. وهذا يذكِّرنا بأنَّ كثيرًا من مناسباتنا العائليَّة، وحتى الزَّفاف كان في أسطح المنازل، وبالبساطة، وبدون تكاليف باهظة.. المهم الشعور بالفرح والسعادة والتآلف الأسري.

‏وهنا لا بد أن يعي المجتمع بضرورة العودة لجمال الحياة ببساطتها، فالحداثة والتطور العلمي الهائل، هو لخدمة الإنسان، ولكن لا يكون الإنسان عبدًا لها بل يجد منها أساليب للتكييف والمواءمة.

‏أبو صامل هذه الشخصيَّة الكوميديَّة التي تدخل القلب سريعًا، تذكِّرنا أيضًا بالفنَّان القدير (حسن دردير) الكوميديِّ الحجازيِّ، وزميله لطفي زيني -رحمهما الله تعالى- اللذين نثرَا الكثير من النقد الاجتماعيِّ بأسلوب كوميديٍّ ساخرٍ، وكم نحن بحاجةٍ لإشاعة الابتسامة في زمن عزَّ الفرحُ، وطغت الحروبُ.. ونتمنَّى استمرار الكوميديا السعوديَّة، فهي جزء من تراثنا وقِيمنا والتَّرويح عن القلوب أصبح حاجة مُلحَّةً.. وكلُّ عامٍ وأنتُم بخيرٍ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store