لم يعد العالم يعيشُ أزمةً واحدةً يمكن تطويقها، بل أزماتٍ تتدافعُ وتتراكمُ: من نيران التوتُّر في المضيق، إلى مأساة غزَّة، ومن استنزاف أوكرانيا إلى اقتصادٍ عالميٍّ يرتجفُ كلَّما اختلَّ ميزانُ الرَّدع. وفي مثل هذه اللَّحظات، حين يسود المنطقُ الصفقاتيُّ، وتتحوَّل السياسةُ الدوليَّةُ إلى هيمنةٍ نفعيَّةٍ (Predatory Hegemony)، يعلو الانفعالُ، ويخفت الرُّشد، وتصبح الشِّعاراتُ أعلى ضجيجًا من الحكمة. وهنا يعود إلى الواجهة معنى تأسيسي في التجربة السياسيَّة السعوديَّة: إدارة المراحل.
إدارة المراحل ليست تردُّدًا، ولا ضعفًا، بل هي القدرة على قراءة الزَّمن السياسيِّ، وترتيب الأولويَّات حين تكون الوقائعُ أعقدَ من أنْ تُختزل في هتافٍ. وهي فقهٌ في البقاء يتجاوز مجرَّد حماية الحدود، إلى صون المستقبل السياديِّ. ومن هنا بدت تجربة الملك عبدالعزيز درسًا في الحكمة الإستراتيجيَّة: لمْ يبنِ الدَّولة بالقفزِ فوق الحقائق، ولا بمنازلة الجميع دفعةً واحدةً، بل بميزانٍ دقيق بين التقدُّم والانتظار، وبين المداراة والحسم.
وقد وجدت هذه الحكمة صداها خارج الجزيرة أيضًا. ففي لقاء 1951 الذي جمع الملك عبدالعزيز بالحبيب بورقيبة ورفاقه، تكرَّست سياسة «خُذْ وطَالِبْ»؛ أي التدرُّج الذي يصون المآلات قبل أنْ تستغرقك الشِّعارات. وهنا يلتقي فقه المراحل مع فقه المقاصد والمآلات: إذ لا تكفي سلامةُ النيَّة إذا أفسدت العاقبة، ولا يكفي الحماسُ إذا ساقَ الأوطان إلى ما لا تحتمل.
إنَّ أخطر ما يواجه العالم اليوم، ليس اشتعال الأزمات وحده، بل سوء إدارة اللَّحظة بالانجرار وراء ردود الفعل الفوريَّة. فالدَّولة لا تُقاس بصلابة حدودها فحسب، بل بقدرتها على عبور زمن الخطر من دون أنْ تفقدَ بوصلتها الداخليَّة. ومن هنا تكون الحكمةُ أوسعَ من السَّلامة الإقليميَّة؛ لأنَّ البقاء ليس مسألة حدود فقط، بل مسألة توقيت، ومآل، وحُسن انتقال بين المراحل.
وفي الجزيرة، حيث تتقاطع الذَّاكرة مع الدَّولة، يتجدَّد الدَّرسُ: أنَّ الضبط يبدأ من الدَّاخل، وأنَّ إدارة المراحل هي شرط النَّجاة في عالمٍ لا يرحم من يسيءُ قراءة لحظته، سواء في بناء الدَّولة الوطنيَّة، أو في التطلُّع إلى أفقٍ اتحاديٍّ خليجيٍّ راشدٍ يتقدَّم برزانة التدرُّج لا بضجيج الشِّعارات.
الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختبَر.
* هامش تعليمي/ توضيحي:
يشير مبدأ السَّلامة الإقليميَّة (territorial integrity) في القانون الدوليِّ إلى احترام وحدة إقليم الدَّولة وحدودها، وعدم جواز المَسَاس بهما بالقوَّة أو التَّهديد بها.
إدارة المراحل.. حين تكون الحكمة أوسع من السلامة الإقليمية
تاريخ النشر: 24 مارس 2026 23:37 KSA
حوارات الطريف
A A


