في عصر الفوضى الرقميَّة، والتدفُّق السَّريع للمحتوى، لم يعدْ أكبر أعداء العقل نقص المعلومات، بل كثرتها السطحي، وغير المتعمِّق في التَّحليل والتَّفكير، فالمشكلة لا تكمن في كثرة ما نراه، بل في انخفاض قدرتنا على التَّركيز.
تشير بيانات عالميَّة إلى أنَّ مدَّة الانتباه على الشَّاشة تقلَّصت من نحو 12 ثانية في عام 2000م، إلى حوالى 8.25 ثوانٍ في 2023م، مع تراجع قدرة المستخدمِينَ على التَّركيز مع مرور الوقت في تدفُّق المحتوى القصير.
وفي إحدى مقابلات الملياردير إيلون ماسك الأخيرة، عندما سُئل عن أسوأ اختراعٍ للبشريَّة؟ فقال: دون تردُّد «الفيديوهات القصيرة»، وبيَّن أنَّ تأثيرها على البشر «كارثيٌّ»، وأضاف: إنَّها «أفسدت عقول النَّاس، وسبَّبت تعفُّنًا في التَّفكير»، معتبرًا أنَّها تُسهم في تشتُّت الانتباه، وتدهور قدرة الأفراد على التَّركيز.
وقد أظهرت دراسات أكاديميَّة، أنَّ استهلاك المقاطع القصيرة بشكلٍ متكرِّرٍ مرتبط بتراجع القدرة على الانتباه المستمرِّ، والتحكُّم التنفيذيِّ لدى الطلاب، مقارنةً بزملائِهم، حتَّى بعد حساب إجماليِّ وقت الشَّاشة.
هذا التأثير لا يقتصر على مجرَّد «ضياع الوقت»، بل يرتبط مع تغيُّرات في أنماط النَّشاط الدماغيِّ، خاصَّةً في مراكز الانتباه والمكافأة؛ ممَّا يجعل الدِّماغ يتوقُ إلى التَّحفيز السَّريع بدلًا من التَّحليل العميق.
تعفن الدماغ في هذا السياق، لا يعني موت الخلايا العصبية، بل تبدل وظائف الدماغ نحو التشتت السَّريع، والبحث عن الإثارة الفورية؛ ممَّا يجعل القراءة الطويلة، والتَّفكير المتسلسل أكثرَ صعوبةً مع الوقت.
إذا أصبحت قدرتك على التَّركيز على مقال طويل أقلَّ من قدرتِكَ على مشاهدة عشرات المقاطع القصيرة في جلسةٍ واحدةٍ، فأنت تشهد جانبًا من هذا التحوُّل.
فالعقل مثل العضلة، يحتاج إلى تدريب عميق، وليس فقط استهلاك سريع، هناك فرق بين الدِّماغ الذي يقرأ، ودماغ يمرِّر، وإذا واصلنا التَّغاضي عن هذا التَّغيير، فإنَّ ما كان يُنظر إليه كمجرَّد عادة، قد يتحوَّل إلى آفةٍ تؤثِّر على جودة الفكرِ والإبداعِ.


