Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

زيارة لمدينة بين بلدين

A A
السَّفرُ ليس مجرَّد انتقالٍ عابرٍ في المكان، بل هو رحلةٌ عميقةٌ في صفحات الزَّمان، تقرأ فيها سطورَ التَّاريخ المكتوبة على جدران المدن العتيقة. وهذا ما شعرتُ به تمامًا، وبكلِّ جوارحِي، عندما انطلقتُ من مدينة دريسدن التي طحنتها قنابلُ الحرب العالميَّة الثَّانية بقسوةٍ بالغةٍ، وأحالتها إلى ركامٍ، متَّجهًا نحو مدينة غورليتس؛ لحضور لقاءٍ علميٍّ. هذه المدينة الصَّغيرة، الرَّابضة بهدوءٍ وثقةٍ على الحدود الألمانيَّة البولنديَّة، هي بمثابة معجزة حقيقيَّة في قارَّةٍ أنهكتها الصِّراعات، فقد نجت بأعجوبةٍ نادرةٍ من جحيم تلك الحرب المدمِّرة، وبقيت مبانيها صامدةً بشموخٍ كبيرٍ؛ لتشهد على تاريخ إنسانيٍّ وعمرانيٍّ حافلٍ لم تَطَلْهُ نيرانُ القنابلِ.

عندما تتجوَّل في شوارعها المرصوفة بالحجارة، تشعرُ وكأنَّك تقلِّب أوراق كتاب قديم يروي حكاياتٍ متناقضةً ومدهشةً في آن واحد. فمن جهةٍ، لا تزال تلمح بوضوح آثارَ الكآبة التي خلَّفتها الحقبةُ الشيوعيَّةُ الثقيلةُ في أيام ألمانيا الشرقيَّة، حيث كانت بعض المباني القديمة تقف شاهدًا صامتًا ومرهقًا على تلك الحقبة الرماديَّة التي جرَّدت الأشياء من بهجتها. ولكن من جهةٍ أُخرى، تلاحظ بفرحٍ كيف امتدَّت يدُ الحياة لتنفض غبار الماضي، فالحكومة الألمانيَّة، بعد أنْ توحَّدت البلاد، واستعادت روحها، بذلت جهودًا جبَّارةً ومخلصةً لتجديد هذه المباني، ورد الاعتبار لها، وخصوصًا الواجهات الخارجيَّة التي اكتست بألوان مفرحة وزاهي؛ لتعيد الرُّوح المفقودة إلى أزقَّتها العتيقة، وشرفاتها المزخرفة.

وفي وسط هذه المدينة السَّاحرة، تقع ساحة السوق السفلى، وهي قلب المدينة التَّاريخي، والسَّاحة الرئيسة التي تتناثر حولها المطاعم والمقاهي، ويجتمع فيها الناس. تحيط بهذه السَّاحة مبانٍ تاريخيَّةٌ ملوَّنة بتصاميمَ رائعةٍ، وتضم مبنى البلدية القديم، بساعته الفلكيَّة المذهلة، في مشهدٍ يعكس بساطة الحياة الأوروبيَّة الهادئة والمترابطة.

وفي إحدى تلك الليالي الجميلة، دُعِيتُ لتناول العَشَاء في مطعمٍ يقع في الجانب البولنديِّ من المدينة المزدوجة، وببراءة المُسافر الذي تحكمه حدود الجغرافيا والسياسة، سألتُ مضيفي باستغراب: وكيف سننتقلُ إلى بولندا الآن في هذا الوقت؟ فضحك عاليًا من سؤالي، ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتَّى وجدنا أنفسنا نعبر سيرًا على الأقدام جسرًا صغيرًا يقطع النهر الفاصل بين البلدين، لنجد أنفسنا بكلِّ بساطة في دولةٍ أُخرى، ونتناول عشاءنا الشَّهي هناك. إنَّها مفارقة عجيبة، أن يفصل بين عالمَين وتاريخَين مجرَّد نهرٍ هادئٍ وجسرٍ بسيطٍ للمشاة، يوحِّد ما فرَّقته السِّياسةُ.

هذه المدينة، التي كان عدد سكَّانها في عام 2013 لا يتجاوز 54 ألف نسمة، واليوم يقارب 57 ألف نسمة، ليست مجرَّد محطَّة عابرة، بل هي خيرُ مثالٍ حيٍّ وعالميِّ لكيفيَّة المحافظة على التراث والتاريخ. غورليتس متحف مفتوح تحت السماء، يعلمنا كيف يمكن للجمال أن ينتصر دائمًا على الخراب، وكيف يمكن للتاريخ الإنساني أنْ يظل نابضًا بالحياة وملهمًا للأجيال القادمة، إذا ما وجد مَن يقدِّره ويحافظ على ملامحه.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store