في أوقات الأزمات، تُختبر قوَّة الدُّول، ليس فقط في قراراتِها السياسيَّة، بل أيضًا في قدرتِها على إدارة الرِّواية الإعلاميَّة، وتوحيد الرسالة. وخلال الأيام الماضية، قدَّم الإعلامُ الخليجيُّ نموذجًا متقدِّمًا في التَّنسيق والانسجام، عكس مستوًى عاليًا من الوعي بأهميَّة الكلمة وتأثيرها في الرَّأي العام. وقد برز تحرُّك وزراء الإعلام في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة؛ بوصفه خطوةً عمليَّةً لترسيخ خطابٍ إعلاميٍّ موحَّد يعكس موقفًا خليجيًّا متماسكًا تجاه ما تشهده المنطقة.
ما لمسناه خلال هذه الأزمة، لم يكن مجرَّد تغطية متشابهة للأحداث، بل كان تنسيقًا واضحًا في الرَّسائل الإعلاميَّة، وتكاملًا في نقل المعلومات، وحرصًا على مواجهة الشَّائعات والمعلومات المضلِّلة بخطابٍ مسؤولٍ ومتوازنٍ. وقد بدا المشهدُ الإعلاميُّ الخليجيُّ أكثرَ انسجامًا من أيِّ وقت مضى، في تجربةٍ يمكن اعتبارها من أبرز صُور العمل الإعلاميِّ المشترك في تاريخ المنطقة.
ولا يأتي هذا التَّأثير من فراغ؛ فدُول الخليج تمتلك قوَّة إعلاميَّة متنامية على المستويَينِ الإقليميِّ والدوليِّ. إذ تضم منظومةُ الإعلامِ الخليجيِّ أكثرَ من 200 قناةٍ تلفزيونيَّة فضائيَّة، إلى جانب مئات الصُّحف والمواقع والمنصَّات الرقميَّة. كما تتجاوز نسبة انتشار الإنترنت في معظم دول الخليج 95%، فيما يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي أكثرُ من 60 مليون شخص في المنطقة، ما يمنح الرِّسالة الإعلاميَّة الخليجيَّة قدرةً واسعةً على الوصول والتَّأثير.
لقد أثبتت هذه الأزمة، أنَّ الإعلام الخليجيَّ ليس مجرَّد ناقلٍ للخبر، بل شريكٌ في ترسيخ الاستقرار، وتعزيز وحدة الموقف. وعندما تتكامل الرِّسالة الإعلاميَّة مع الرُّؤية السياسيَّة، تتشكَّل صورة خليجيَّة موحَّدة تعكس قوَّة المنطقة وتماسكها.
واليوم يبدُو واضحًا أنَّ الإعلام أصبح أحد أهم عناوين الوحدة الخليجيَّة، وأنَّ التَّنسيق بين المؤسَّسات الإعلاميَّة في دول مجلس التعاون يمثِّل خطوةً متقدِّمةً نحو إعلامٍ خليجيٍّ أكثر تأثيرًا وحضورًا. فحين يتحدَّث الخليجُ بصوت إعلاميٍّ واحدٍ، يدرك الجميعُ أنَّ الخليجيِّينَ متَّحدُون، وأنَّ وحدتهم ليست شعارًا، بل ممارسة راسخة تظهر بوضوح في أوقات التحدِّيات.
ومن الجوانب المميَّزة إعلاميًّا في هذه الأزمة، وعي المواطن الخليجيِّ، وحضوره وتفاعله مع خط وسائل الإعلام الرسميَّة؛ ليشكِّل عنصر نجاح يُضاف إلى إدارة الأزمة إعلاميًّا. ونسأل اللهَ أنْ يحفظَ خليجنا واحدًا، ويوفِّق قياداتِنَا، ويسدِّد قراراتِهم لما فيه مصلحة البلادِ والعبادِ.


