في عام 1403هـ/ 1983م، تمَّت إزالة وهدم حارة السليمانيَّة في مدينة الطَّائف؛ بحجَّة تطوير المنطقة المركزيَّة. كانت الحارة واحدةً من ثلاث حاراتٍ تكوِّن الطَّائف التاريخيَّة، وفيها العديد من المنازل والمباني التراثيَّة، والمعالم الشَّهيرة منها حمام الشفا، وفندق عرفات، والبازان، وكانت تجاور مسجد العباس. من معالم الحارة ما كان يسمِّيه أهل الطَّائف حارة الطباخة، وهو في الواقع «خان» يقع في غربها، وعلى شارع البريد؛ ليشكِّل أحد أهم معالم الطَّائف فيزخر بأغلب طباخيها ومطاعمها يؤمُّه النَّاسُ في فترة الغدَاء لا غير، حيث كانت محلَّاته تُقفل كليَّةً مع العصر.
من أشهر من كان يعمل به العم عبدالمعين فياضة لبيع السلَّات، والكباب والأوصال الحجازيَّة، والشيخ عبدالله شبكة الثمالي لبيع اللَّحم والرُّز الندي الطَّائفي، وكان يُباع بالاُقَّة (وزن كان مستخدمًا قبل الكيلوجرام). ومن المحلَّات أيضًا مطعم علي العصيمي لبيع الأدامات المختلفة، وعيد الرواس لبيع رؤوس المندي، والعم عُبود الحضرمي أشهر بائعي الهريسة، والعم علي المصري لبيع الهريسة، وصالح البيشي لبيع الكباب والسلات والأوصال. وهناك آخرون لا أذكرُ أسماءهم كانُوا يشغلُون مطاعم الخان، وفي مختلف الأصناف الغذائيَّة.
كلُّ هذه الأسماء كانت لمواطنين، وكما كان يُطلق عليهم «أهل البلد»، ولهذا كان كلُّ واحد منهم حريصًا على سمعته، وأنْ تكون الأمانة والصِّدق أساس تعامله مع زبائنه، ولم يكن للغشِّ والتَّلاعب في المقادير، أو الطبخ مكان في تفكيرهم، قبل أنْ تغزو مطاعمنا العمالة الأجنبيَّة، وما يحدث من حالات غشٍّ وقلَّة أمانةٍ.
المنطقة اليوم خلاء فاضية، عبارة عن مواقف عامَّة تؤجِّرها أمانةُ الطَّائف لشركات تعمل على إدارتها، ولم يعد بإزالة حارة السليمانيَّة وجود لجزءٍ من هويَّة مدينة الطَّائف، حيث كانت الحارة نبض الطَّائف، يسكنها الحرفيُّونَ، والتجَّارُ، والمهنيُّونَ، وتزود الطَّائف بالغذاء والاستحمام الأسبوعيِّ في الحمَّام التركيِّ، وفي ظلِّ ما تقوم به وزارة الثقافة، ووزيرها النشط، وهيئاتها من اهتمام بتراث وإحياء تراثنا الوطنيِّ، أرجو أنْ يُعاد إحياء خان الطباخة، وبناؤه بذات الصِّفة التي كان عليها؛ ليعود جزءًا ضائعًا من هويَّة الطَّائف المأنوس، وهم قادرُونَ -بإذنِ اللهِ- على فعل ذلك.


