Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

العمر شيء.. والحياة شيء آخر!

A A
ذكرتُ -غيرَ مرَّة- على أنَّ عبارة «العمر مجرَّد رقم»، هي في الحقيقة تمثِّل فلسفة حياة، وليست حقيقة بيولوجية مطلقة، وتشير في العادة إلى أنَّ السن في بطاقة الهوية الوطنية لا يحدد قدرة وطاقة الإنسان، ولا إنتاجه، ناهيك عن إبداعه واستمتاعه بحياته الخاصة، فربما يكون الإنسان طفلًا في سن التسعين، وعجوزًا في سن العشرين، وصدق الشَّاعرُ أحمد الصافي حين قال:

عُمْرِي إِلَى التِّسعِينَ يَركُضُ مُسْرِعًا وَالرُّوحُ واقفةٌ عَلَى العِشرِين

هناك العديد من الأمثلة التي تدلُّ على أنَّ إبداع وإنتاج الفرد لا علاقة لها بسنِّه، بل بما يقدِّمه من خدمات لموطنه وللبشريَّة.

البروفيسور وعالم الكيمياء البريطاني الدكتور «جون جودإناف» -على سبيل المثال- أجبروه على ترك العمل رئيسًا لقسم الكيمياء في جامعة أكسفورد عند بلوغه (65) سنةً؛ بحجَّة بلوغه سنَّ التَّقاعد، هاجر إلى أمريكا للعمل في جامعة تكساس، التي لا تلزم العلماء بسنٍّ للتَّقاعد ما دام عطاؤه العلميُّ والبحثيٌّ مستمرًّا، استمرَّ في العمل بجامعة تكساس حتَّى بلوغه سن (97) سنةً، وهي السنة التي تمَّ فيها تتويجه بجائزة نوبل العالميَّة للكيمياء؛ لدوره المحوريِّ الكبير في تطوير بطاريَّات الليثيوم بطريقةٍ عبقريَّةٍ؛ ليثبت للعالم أجمع أنَّ لا عمرَ للإبداع والعطاء والإنتاج، وأنَّ العمرَ ما هو إلَّا مجرَّد رقم ليس أكثر.

وأختمُ بمشرفتِي على الدكتوراة في جامعة ويلز البريطانيَّة البروفيسورة «سيلفا لوتكنز»، بدأتُ الدِّراسة تحت إشرافها، وهي في سن (75 سنةً)، وأنهيتُ دراستِي وهي في سن (79 سنةً)، كانت خلال فترة دراستي تشرفُ على رسائل للماجستير والدكتوراة لعددٍ يزيد عن ثمانية طلاب من مختلف بلدان العالم، ناهيك عن أعمالها الأكاديميَّة في التَّدريس والبحث العلميِّ.

كانت رشيقةً للغاية، وفي قمَّة الحيويَّة والنَّشاط، تحبُّ رياضة تسلُّق المرتفعات والجبال التي تشتهر بها مقاطعة ويلز البريطانيَّة، كنتُ أرافقها في بعض الأحيان، أذكرُ أنَّها لا تستخدم مركبتها إلَّا عندما تقوم بزيارة أقاربها في بلدة الماينهيد القريبة من مدينة برايتون في الجنوب البريطانيِّ، وكانت تأتي إلى الجامعة إمَّا على درَّاجتها الهوائيَّة، أو مشيًا على الأقدام من منزلها الواقع على سفح جبل «بنقلايز» المطل على مدينة أبريست ويست الجامعيَّة.

الآن تعيش هذه السَّيدة العظيمة في منزلها بمدينة أبريست ويست في مقاطعة ويلز البريطانيَّة، وقد اتَّصلتُ بها قبل ثلاثة أشهر أثناء الاحتفالات بعيد الميلاد هناك -الكريسماس- كعادتي في كلِّ سنة، ردَّت على اتِّصالي وهي في قمَّة نشاطها -تبارك الرَّحمن لا أضربها عين- على الرغم من بلوغها السنة الرابعة عشرة بعد المئة من العُمر، ذكرت أنَّها لا تزالُ تتعاون مع الجامعة، وتُعطي محاضرةً أسبوعيًّا لطلاب الدِّراسات العُليا في الإحصاء التطبيقيِّ.

هذه أمثلة حيَّة تدلُّ على أنَّ العمرَ شيءٌ، والحياةَ شيءٌ آخرُ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store