التبرُّع يمثِّل جانبًا مشرقًا من جوانب التكافل الاجتماعيِّ، وفيه تحقيق لغاية نبيلة في أن يجد المحتاج غايته بما يسد رمقه، ويغنيه عن مد يده، ويعفه عن ذل السؤال، ووقع أثره، ويعظم شأن التبرُّع بعظم مقصده، ومكانه، وتحقيق غايته، وهدفه.
وعند الحديث عن تبرُّعات الحرم؛ فإنَّه لا يغيب عنا عظم المكان، وكيف أنَّ تلك التبرُّعات، وأعني بها تبرُّعات (الوجبات) من مأكل، ومشرب قد تقع في يد مَن هو محتاج لها من قاصدي الحرم المكيِّ الشَّريف، فنجده في غاية الامتنان، شاكرًا لله تعالى أنْ هيَّأ مَن يبذل في سبيل ذلك ماله، وليس له مبتغى سوى الأجر في بقعة يعظم فيها الأجر، وتتضاعف الحسنات.
وفي صورة مغايرة لذلك السموِّ ما يُلاحظ من مشاهد يستنكرها كل من كان له سهم في تلك التبرُّعات، بل كل من يقدر للنعمة قدرها حيث، وبكل أسف تُمتَهن (النعمة) فَتُرْمَى على الأرض، لتدوسها الأقدام في مشهد يدفع إلى التوجُّس من عاقبة ذلك، فالنعمة إذا لم تحفظ ترحل، وإذا رحلت لا تعود.
إنَّها صورة مؤلمة في أيِّ موقع، فكيف بها إن شوهدت في أقدس بقعة، وأشرف مكان، وعليه فإنَّ الحاجة تدعو إلى العناية بهذا الجانب دراسة، وابتكار حلول من الجهات المعنيَّة، وتفعيلها عاجلًا، وبما يحفظ تلك التبرُّعات من أن تتحوَّل من نعمة إلى نقمة، ومن مقصد ثواب إلى عاقبة ذنب، وعقاب.
ولعل في التوعية ابتداءً من بلدان القادمين للحجِّ، والعُمرة، والزيارة ما يسهم في التمهيد بنجاح كل الخطط العلاجيَّة لهذه المعضلة الكبيرة.
كما أنَّ في الاستغناء عن تقديم تلك الوجبات المعلبة الجاهزة بكوبونات شراء ما يحد من الفائض، الذي يوزع بعشوائيَّة ثم تكون نهايته تحت الأقدام.
كما أن في تكثيف نشر حاويات بقايا الطعام، والمراقبة الدائمة، وتحديد أماكن لتناول الطعام ما يعالج تلك الصورة، التي يتفق الجميع على استنكارها، والخشية من عاقبتها.
لنصل إلى أنَّ ما يقدَّم من تبرُّعات المأكل، والمشرب في الحرم الشَّريف، والمشاعر المقدَّسة جانب مشرق من جوانب التكافل، إلَّا أنَّ في صورة خروجه عن مقصده إلى ما يشاهد من صور امتهان النعمة، والإسراف، والتبذير ما يدفع إلى ضرورة التدخل العاجل بما يعالج ذلك حفظًا للنعمة، ودرءًا لعاقبة دوسها بالأقدام، وعِلْمِي وَسَلامَتكُم.


