في لحظةٍ إقليميَّةٍ شديدة التَّعقيد، جاء اجتماع إسلام آباد الرباعي، الذي ضمَّ المملكة العربيَّة السعوديَّة، ومصرَ، وتركيَا، وباكستان؛ ليؤكِّد أنَّ الدبلوماسيَّة لم تغادر المشهد رغم ضجيج الحرب. ومع صدور البيان الختاميِّ للاجتماع، يمكن القول إنَّ هذا اللقاء لم يكن مجرَّد منصَّة للتشاور، بل محاولة منظَّمة لكسر الجمود السياسيِّ، وبلورة إطار أوَّليِّ لخفض التصعيد.
فمع دخول الصراع شهره الثاني، لم تعد الأسئلة تدور حول مَن يربح ميدانيًّا، بل حول مَن يستطيع منع تمدُّد الحرب؟ ومَن يملك القدرة على إعادة الاعتبار للمسار السياسيِّ قبل أنْ يصبح غير ذي جدوى؟
منذ اندلاع الحرب، اتبعت المملكة مسارًا يمكن وصفه بـ"إدارة الأزمة، لا الانخراط فيها". عزَّزت جاهزيتها الدفاعيَّة، وفي الوقت ذاته دفعت باتجاه التَّهدئة. والبيان الصادر عن اجتماع إسلام آباد، جاء متَّسقًا مع هذا النهج؛ إذ شدَّد على أولويَّة الحلول الدبلوماسيَّة، وضرورة وقف التَّصعيد، واحترام سيادة الدول، وتأمين الملاحة الدوليَّة، وهي ثوابت تعكس الرُّؤية السعوديَّة منذ البداية.
أهميَّة الاجتماع لا تكمن فقط في انعقاده، بل في تركيبته، وفي ما خرج به من رسائل. فالدول الأربع تمثِّل مزيجًا من التأثير السياسيِّ والقدرة على الوساطة، والبيان المشترك أظهر حدًّا أدنى من التَّوافق على مبادئ أساسيَّة، أهمها أنَّ استمرار الحرب لم يعد خيارًا مقبولًا إقليميًّا، وأنَّ هناك حاجةً إلى مسار تفاوضيٍّ منظَّم، ولو تدريجيًّا.
مع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تفسير البيان. فهو، في جوهره، بيان مبادئ لا اتفاق إجراءات. بمعنى أنَّه وضع الإطار العام، لكنَّه لم يحسم بعد آليات التنفيذ، أو الضمانات، أو الجداول الزمنيَّة. وهذا يعيدنا إلى طبيعة هذه المرحلة، حيث تتحرَّك الدبلوماسيَّة خطوةً خطوةً، تحت ضغط الوقائع الميدانيَّة.
في هذا السياق، تظل المقترحات الأمريكية، بما تتضمنه من بنود لوقف الحرب، وفتح مسار تفاوضي، جزءًا من المشهد، لكنَّها لم تتحوَّل بعد إلى أرضية تفاهم مشتركة. والبيان الرباعي لم يتبنَّ هذه المقترحات بشكل مباشر، لكنَّه أشار ضمنيًّا إلى الحاجة إلى مبادرات متوازنة تأخذ في الاعتبار مخاوف جميع الأطراف، وهو ما يعكس إدراكًا بأنَّ أيَّ تسوية أحاديَّة لن تكون قابلة للاستمرار.
في المقابل، تبقى المواقف الإيرانيَّة، كما تُنقل عبر التصريحات والتسريبات، مرتفعة السَّقف، وهو ما يجعل الفجوة التفاوضيَّة قائمة. وهنا تبرز أهميَّة ما أشار إليه البيان من ضرورة بناء الثقة كمدخل لأيِّ حلٍّ سياسيٍّ؛ لأنَّ تجاوز هذه الفجوة لا يمكن أنء يتم دفعةً واحدةً، بل عبر خطوات تراكميَّة.
الدور الباكستاني، الذي كان واضحًا في استضافة الاجتماع، وفي اتصالاته المتوازنة، حظي بإشارة ضمنيَّة في مخرجات اللقاء، باعتباره قناة تواصل يمكن البناء عليها. لكن تأثير هذا الدور سيظل مرتبطًا بقدرته على تحويل الاتِّصالات إلى مسار تفاوضيٍّ فعليٍّ، لا مجرَّد تبادل رسائل.
أمَّا عن اتجاه المرحلة المقبلة، فإنَّ البيان يعكس محاولة للانتقال من حالة "التفاوض تحت النار" إلى تنظيم هذا التفاوض، دون أنْ يعني ذلك توقف العمليَّات العسكريَّة. فالميدان لا يزال حاضرًا بقوَّة، لكنَّه لم يعد المسار الوحيد.
الخلاصة أنَّ اجتماع إسلام آباد، بعد بيانه الختامي، يمثِّل نقطة تحوُّل محدودة ولكن مهمَّة: انتقال من التشاور العام إلى محاولة صياغة إطار سياسيٍّ أوليٍّ. غير أنَّ التحدِّي الحقيقي يبدأ الآن، في تحويل المبادئ إلى آليَّات، والبيانات إلى خطوات، والنوايا إلى التزامات قابلة للقياس.
في هذا السياق، تتحرَّك المملكة ضمن رُؤية واضحة: تطويق الأزمة سياسيًّا، مع الحفاظ على معادلة الأمن والاستقرار. وبين تصعيد لم ينتهِ بعد، ودبلوماسيَّة لم تكتمل أدواتها، ستظل المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة هذه الدول على الانتقال من إدارة الأزمة... إلى حلِّها.


