منذُ أنْ وعينا على الدُّنيا، وعبارة «جاني شغل بالخليج» تُعتبر «الكليشية» الدراميَّة الثَّابتة، في المسلسلات والأفلام العربيَّة، وغالبًا ما تُمثِّل نقطة تحوُّل كُبْرى في حياة الشخصيَّة، والمنقذ الأكيد لتخليصه من ديونه المتلتلة، تكاليف زواجه، وعلاج قريبته، وقد تستخدم كحيلة للهروب من قصَّة حب فاشلة، أو تبرير لمظاهر العز التي بدت عليه، بامتلاكه شقَّة وسيَّارة، المهم أنّ كل هذه المُعطيات تشير لوجود شواغر وظيفيَّة فائضة بالدول الخليجيَّة!!
لا تزال الشركات الأهليَّة -رغم شماتة بعض أبناء الدول العربيَّة بالحرب الخليجيَّة- تعامل الموظَّفين الأجانب معاملة الأُمِّ الحنونة، حيث توفِّر لهم المناصب القياديَّة، والرواتب العالية، بينما تعامل أبناء الوطن معاملة زوجة الأب، التي تستكثر عليهم الوظائف المتدنِّية، وتتسنح الفرص لتطفيشهم، وفصلهم بشتَّى الطرق التعسفيَّة!!
الحقيقة لا أدري ما سر ولاء الشركات الأهليَّة للعمالة الأجنبيَّة، حتى احتكرُوا الوظائف المرموقة، وأحلُّوا أقاربهم وأبناء جلدتهم مكان الكفاءات الوطنيَّة، وحفاظُوا على نسبة تشغيلهم المخالفة -بواقع 75%- طيلة العقود الماضية، هل هناك أصول عرقيَّة مع بعض القيادات التنفيذيَّة، أم هناك ثغرات قانونيَّة ببرامج التوطين والسعودة، أم أنَّ هناك سوقًا سوداءَ للوظائف القياديَّة الشَّاغرة يتم منحها للأجانب مقابل نسبة من رواتبها وبدلاتها الخرافيَّة؟!
المشكلة أنَّه لا يوجد أيُّ دولة أجنبيَّة -بما فيها البلاد العربيَّة- قد تقبل أو ترحِّب بتوظيف الكفاءات السعوديَّة العاطلة، رغم جمائل بلادنا المشرفة، في حين يترزز المحلِّلُون الكرويُّونَ الأجانب باستديوهاتنا الرياضيَّة، ويتصدَّر الفنَّانون والفنَّانات العرب قائمة مهرجاناتِنَا الترفيهيَّة، ويتربع المهندسُون، والصيادلة، والمسوِّقُون -وربما الأميُّون- الوافدون، بالمناصب الإشرافيَّة، وكأنَّ شركاتنا جمعيَّات خيريَّة لا تهب وظائفها إلَّا للعمالة المغتربة والمحتاجة!!
المفارقة الغريبة، أنَّ أعداد أبناء تلك الدول العربيَّة المقصودة، في الدول التي دائمًا ما يؤيِّدُون مواقفها ويقفُون إلى جانبها في الصراعات الإقليميَّة، أعداد محدودة جدًّا: حيث لا تتجاوز بضع مئات في إيران، وبضعة آلاف في العراق، وبلاد الشام، بينما تصل إلى عدة ملايين في السعوديَّة، والدول الخليجيَّة، وهو ما يخلق لدينا انطباعًا شبه مؤكَّد بأنَّ ولاء مثل هؤلاء العرب المتملقِينَ يكون للدُّول التي تقمعهم ولا تأبه لأحوالهم البائسةن ولا لظروفهم القاسية!!
لذلك، لا بُدَّ من الاستفادة من درس شماتة أبناء الدول العربيَّة بالحرب الخليجيَّة، ومنع استقدامهم للوظائف المرموقة، والاعتماد على الكفاءات الوطنيَّة؛ لأنَّه من غير الطبيعيِّ أنْ يعالج العربي همومه المعيشيَّة، ويبني سيناريوهاته الدراميَّة، بكليشية: «أنا مسافر الخليج علشان أكوِّن نفسي»، ثم إذا ما تورَّطت الدول الخليجيَّة بصراع أو حرب مصيريَّة، واحتاجت لوقفته الجادَّة، جاوبها بكلِّ غلٍّ وكراهية: (مالي شغل بالخليج)!!


