Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

حادث واحد.. ومعاناة ممتدة!

A A
في ثالث أيَّام العيد، وبينما كانت الطُّرق تعجُّ بحركة الفرح والزيارات، وجدتُ نفسي أمام مشهدٍ لا يشبه العيد في شيءٍ. شاب متهوِّر، يبدو في عمر لا يتجاوز الخامسة عشرة، يقود بلا إدراك للعواقب، ينطلقُ كأنَّه في ساحة استعراض، لا طريق عام، ثمَّ لحظة خاطفة انتهت بحادثٍ... أعقبها هروبٌ.

لم تكن الواقعة استثناءً، بل صورة تتكرَّر في مواسم الإجازات، والاختبارات، حيث تبرز فئة صغيرة في العمر تمارس «التفحيط» بدافع لفت الانتباه، أو تقليد مشاهد عابرة، غير مدركة أنَّ النهاية قد تكون إصابةً، أو خسارةً، أو عبئًا ثقيلًا على آخرِينَ لا ذنب لهم.

ما استوقفنِي لم يكن الحادث ذاته، رغم ما خلَّفه علي من أضرارٍ، وإنَّما ما تلاه من تفاصيل مرهقة، مع اختفاء الطَّرف الآخر، تبدأ رحلة مختلفة من المعاناة، أجدُ فيها نفسي منتقِّلًا من لحظة الصَّدمة إلى سلسلة إجراءات تمتد وتتعقَّد! عند هذه النقطة تتَّضح فجوة تحتاج إلى معالجة أعمق، فالتقنيات تقدَّمت، والخدمات شهدت تطوُّرًا ملموسًا، ومع ذلك تبقى مثل هذه الحالات عبئًا ثقيلًا على من تضرَّرُوا منها.

خدمة «نجم» قدَّمت نموذجًا متقدِّمًا، وأسهمت في تسهيل كثير من الإجراءات، غير أنَّ غياب دور مباشر في حالات الهروب يفتح بابًا آخرَ من التَّعقيد يجد المتضرِّر نفسه أمام مراجعات متكرِّرة، ثمَّ يصل إلى مواقع «تقدير الحوادث» حيث الطوابير الطَّويلة، والمواعيد الممتدَّة، في مشهد قد لا يحتملُه مريضٌ، كبيرُ سنٍّ، صاحبُ إعاقةٍ.

وفي بعض المواقع، تتجاوز المعاناة حدود الانتظار، لتصل إلى أبسط التفاصيل، كغياب المواقف الكافية، ما يضطر البعض إلى الوقوف في أماكن بعيدة، أو غير مهيَّأة، ثم السَّير لمسافات ليست بالقصيرة، في وقت يُفترض أنْ تكون فيه الخدمة أكثر مرونةً واحتواءً.

القضيَّة هنا لا تقف عند سلوك فرديٍّ متهوِّرٍ، بل تمتد إلى منظومة متكاملة تحتاج إلى تضافر الجهود من الأسرة التي تغرس القِيم، إلى المدرسة التي تبني الوعي، مرورًا بالجهات المعنيَّة التي تعزِّز حضورها في الأحياء خلال المواسم، وصولًا إلى الإعلام الذي يوجِّه الرسائل بعمق ومسؤوليَّة فالشَّاب الذي يقود بهذه الطريقة هو نتاج بيئة، وتأثير، ومساحة لم تجد التوجيه الكافي.

ما نحتاجه ليس فقط ضبط السلوك، بل استيعابه وفهم أسبابه، والعمل على معالجته من جذوره، بالتَّوازي مع تطوير الإجراءات المرتبطة بالحوادث المروريَّة، خاصَّةً في حالات «الهروب»، بحيث تكون أكثر سرعة، وأقل كلفة على المتضرِّر، وأكثر عدالة في الوصول إلى الحل.

الطريق يجب أنْ يكون آمنًا للجميع، لا ساحة اختبار لاندفاع عابر، ولا بداية لمعاناة طويلة لا تنتهي عند حدود الحادث.

* نقطة تحت السطر:

العدالةُ في الطَّريقِ لا تبدأُ عندَ وقوعِ الحادثِ، بل من قدرةِ الأنظمةِ على حمايةِ الجميعِ قبلَ أنْ يقعَ، واحتواء المتضرِّر بعدهُ دونَ أنْ يثقلَ كاهلهُ بمعاناةٍ إضافيَّةٍ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store