Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

كل الدول صديقة!

A A
في عالم السياسة، تُبنى العلاقات بين الدول على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، وغالبًا ما تتَّسم بالبراغماتيَّة التي تتجاوز الخلافات الأيديولوجيَّة. ولعل من أشد المفارقات التي تستوقف المتابع للمشهد الإقليميِّ، هو ذلك التناقض الصَّارخ في الدبلوماسيَّة الإيرانيَّة؛ حيث تتباهى طهران بقدرتها على نسج علاقات «صداقة» وشراكة مع قوى دوليَّة وإقليميَّة متباينة، بل ومتناقضة في توجهاتها.

فإيران اليوم تقيم علاقات وثيقة ومستقرَّة مع الهند، متجاهلةً تمامًا التحالف الإستراتيجي والعسكري العميق بين نيودلهي وتل أبيب، وتغض الطرف عن هذا التقارب الذي يتناقض مع شعاراتها المرفوعة. وفي الوقت ذاته، تحافظ على روابط ومصالح متبادلة مع جيرانها كباكستان وتركيا، وتمتد أذرعها الدبلوماسيَّة شرقًا لتعميق الشراكات الاقتصادية مع الصين، وشمالًا لتعزيز التنسيق مع روسيا. في كل هذه الساحات، ترتدي طهران قفازات الدبلوماسيَّة الناعمة، وتتحدَّث بلغة المصالح والاقتصاد، متجاوزة أي اختلافات مذهبيَّة أو سياسيَّة، ومحترمةً سيادة تلك الدول وحدودها الجغرافيَّة.

هنا يبرز التساؤل المنطقي والمُلح: إذا كانت إيران تتقن لغة المصالح إلى هذا الحد، وتمتلك هذه المرونة العالية للتعايش مع مختلف دول العالم، وتتودد لصداقتها، فلماذا تستحيل هذه الدبلوماسيَّة إلى لغة وعيد مستمر، وتدخلات سافرة، وعداء مستحكم عندما يتعلق الأمر بالدول العربيَّة، ودول الخليج على وجه الخصوص؟

الإجابة تكمن بوضوح في صلب العقيدة السياسيَّة التي تبنَّتها طهران منذ ثورة الخميني. فإيران لا تنظر إلى محيطها العربيِّ من منظور علاقات «دولة لدولة»، بل تعتبره مسرحًا حيويًّا لمشروعها التوسعي، وساحة مفتوحة لـ»تصدير الثورة». إنها تتعامل مع القوى الكبرى والإقليمية غير العربية بندية واحترام لموازين القوى، بينما تنظر إلى عالمنا العربي كأوراق ضغط ومناطق نفوذ. فبينما تعقد الصفقات مع الشرق والغرب، نراها تصدر الميليشيات الطائفية إلى عواصم عربية عريقة، فتحيلها إلى بؤر للفوضى، وتصادر قرارها السيادي بقوة السلاح.

أمَّا فيما يخص دول الخليج، فالعداء يأخذ بُعدًا آخر. إنَّ النموذج الخليجي الناجح، الذي سخر ثرواته لتنمية الأوطان وبناء الإنسان، واختار طريق الاستقرار والازدهار والانفتاح على المستقبل، يمثِّل النقيض التام لنموذج الثورة المستمرة الذي استنزف مقدرات الشعب الإيراني، وأفقره في حروب بالوكالة. استقرارنا وتلاحمنا الداخلي يقفان سدًّا منيعًا أمام محاولات الاختراق، ويكشفان زيف الشعارات الرنانة التي تُسوق للبسطاء.

في المحصلة، الصداقة الحقيقية بين الدول لا تتجزأ، ولا تُبنى على حساب تدمير سيادة الآخرين، وتمزيق نسيجهم الاجتماعي. وما دامت طهران تصر على ارتداء عباءة الدبلوماسيَّة مع العالم، بينما تُشهر سيف الميليشيات والتدخلات التخريبيَّة في وجه جيرانها العرب، فإن حديثها عن «الصداقة» يبقى مجرد شعار أجوف، يسقط أمام أول اختبار حقيقي لحسن الجوار وصدق النوايا.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store