عندما يخوضُ أحدُهم في أمور علميَّة تُعدُّ مسلَّماتٍ لا تقبل الدَّحض، أو النَّفي، وتُعدُّ حقائق ثابتة دوَّنتها الكُتب السماويَّة، ودوَّنها أبرزُ علماء التاريخ والآثار في العالم، فنجده يهرف بما لا يعرف، فيكذبُ، ويختلقُ معلوماتٍ من واقع خياله، فإنَّ ذلك الشَّخص بفعله هذا يعرِّي نفسه أمام الملأ، ويكشف هشاشة ما يدَّعيه من علم، فكيف به يتحدَّث أمام كاميرات قناة فضائيَّة يشاهدها الملايين، وتتناقلها برامج التَّواصل حتمًا ستكون التَّعرية أكبرَ وأعمَّ، والمصيبة أنَّ هذا الشَّخص يتباهى بعدَّة ألقاب مثل الفيلسوف، والكاتب، والمفكِّر، والباحث، والرُّوائي، فهنا يصبح ممَّن ينطبق عليهم المثلُ العربيُّ القائل (حشفًا وسوء كيل) كما ينطبق عليه مقولة الفيلسوف الحقيقيِّ سقراط حين قال (تكلَّم حتى أراكَ)، فالمُسمَّى (يوسف زيدان)، تحدَّث في لقاء تلفزيونيٍّ عن تاريخ الجزيرة العربيَّة، وتاريخ اللُّغة العربيَّة بها، فذكر الكثيرَ من الأكاذيب التي تدلُّ على جهلٍ بالتاريخ، وليته صمت! فمَن قالَ لَا أدرِي فقدْ أفتَى، حيث أنكر وجود أيِّ حضارة في الجزيرة العربيَّة، وأنكر وجود عالم واحد في اللُّغة العربيَّة فيها وله أقول:
يا سعادة الروائي، لا تخلط بين عناصر الرِّواية التي تكتب عنها، التي تقوم في محتواها على نسج الخيال، وبين علم التاريخ الذي يقوم في محتواه على الحقائق العلميَّة المكتوبة، والملموسة، فالبونُ شاسعٌ بين هذا وذاك؛ لذا سوف أسردُ لك بعض تلك الحقائق العلميَّة علَّكَ تستفيد منها، ويسفيد أمثالُك، فعلى ما يبدو أنَّك شحيحٌ تاريخيًّا؛ لذلك سوف أختمُ مقالتِي هذه بعددٍ من المصادر والمراجع، وهي الموجودة حتمًا قريبة منك بشارع شريف بالقاهرة، ليتك تقتنيها، لكن قبل ذلك، سوف اختصرُ هنا ذكر بعض المعلومات الهامَّة جدًّا لأسماء تلك الحضارات التي كانت في الجزيرة العربيَّة منذ القرن العاشر قبل الميلاد، وأنت أنكرتها في تدليسك، فعلى سببل المثال لا الحصر: يوجد في الجزيرة العربيَّة حضارة عاد في جنوب الجزيرة العربيَّة، وحضارة ثمود في وسطها، وحضارة الأنباط التي اشتُّق من حروفها الخط العربي، وحضارة طسم، وجديس، ومملكة كند في وسطها، ومملكة قيدار بدومة الجندل، وحضارة دادان ولحيان بمنطقة العُلا، ومدائن صالح بشمال المدينة المنوَّرة، وحضارة مدين وأصحاب الأيكة بشمالها، وحضارة الفاو وملوكها، ثم ممالك حمير وسبا ومعين وقتبان بجنوبها، ثم الغساسنة والمناذرة بشمالها.
أمَّا الأنبياء والرُّسل الذين عاشوا في الجزيرة العربيَّة وهذا مدوَّن في المصادر والمراجع التي سأوردها في الختام، وأهمها كتاب التوراة (سفر التكوين وسفر الخروج) والقرآن الكريم، فسيدنا آدم -عليهِ السَّلامُ- نزل بمنطقة أدمة بالقرب من نجران، وعاش بها بعض أبناءه وأحفاده، وكل هذا مدوَّن في التوراة، فَعُد لها وستجد ذلك، ثمَّ سيدنا نوح -عليه السَّلامُ- ثمَّ سيدنا سليمان -عليهِ السَّلامُ- وكذا سيدنا إدريس -عليه السَّلامُ-، وسيدنا إبراهيم -عليه السَّلامُ- الذي عاش في جنوب الجزيرة العربيَّة، وتحديدًا في المنطقة الممتدة من مكَّة المكرَّمة، ومرورًا بجبال السَّروات من تبالة شرقًا، مرورًا بأرض غامد وزهران حاليًّا، وبامتداد الساحل التهامي جنوب مكَّة، ولازال مسجده -عليهِ السَّلامُ- قائمًا حتَّى يومنا هذا بأعلى جبل شدا المعروف المُسمَّى باسم ابنة سيدنا آدم شدا -عليهِ السَّلامُ-، وعاش بها ابناه إسحق وإسماعيل ثم يعقوب ويوسف -عليهم السَّلامُ- وللعلم فإنَّ سيدنا موسى -عليهِ السَّلامُ- عاش بالجزيرة العربيَّة، والفرعون المذكور في القرآن، هو مَن كان يتولَّى حماية طريق التجارة من اليمن إلى الشام، وما يُنسب إلى سيناء والطور والفراعنة بمصر، غير صحيح إطلاقًا، ومصر المذكورة التي تزوج منها سيدنا إبراهيم تقع بجنوب الجزيرة العربيَّة ولازالت بهذا المُسمَّى حتى اليوم، وهذا بشهادة علماء آثار مصريِّين وعرب ومدوَّن في التوراة، عُد لها وستجد ذلك مفصَّلًا.
أمَّا إنكارك بعدم وجود عالم واحد للُّغة العربيَّة التي نزل القرآن على أهلها، وقال الله عنه بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ فلك أقول إنَّ اللَّهجات العاميَّة في الجزيرة حاليًّا تُعدُّ لغةً عربيَّةُ فُصحَى، ويكفينا لغة القرآن التي نتحدَّث بها كما هي في المصحف، ويسشهد علماء اللُّغة العربيَّة بكتاب الله تعالى، كما يستشهدون بأقوال شعراء الجزيرة العربيَّة كالمتنبي، وعمرو بن كلثوم، وعنترة، وامرؤ القيس، وزهير بن أبي سلمى، وطرفة بن العبد، ولبيد بن ربيعة، وأبو العتاهية وغيرهم كثر، ومن الجزيرة العربيَّة أشهر وأبرز علماء اللُّغة العربيَّة وهو الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي أسس علم النحو، وأسس علم الفرائض، وكذلك تلميذه أبو الأسود الدؤلي.
ولك أقول إن التاريخ لا يمحى ولا يسرق كما تسرق الروايات، وأنت تعلم ماذا أقصد، ولكن على ما يبدو أنك لا تستمع إلا لنفسك، ولا تقرأ إلا ما تكتب؛ لذا أنصحك بالخروج عن هذه الدائرة الضيقة.
وفي الختام سوف أترك لك، ولمَن يحاول بجهل اجتزاز أو سرقة التاريخ، هذه المصادر والمراجع علَّك تعود إليها قبل أنْ تتحدَّث في القنوات:
1- التوراة (صحف إبراهيم وموسى).
2- العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل والعرب واليهود د. أحمد داود.
3- التراث المأثور د. محمد مصطفى منصور.
4- أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة د. أحمد قشاش.
5- شمس العرب تسطع على الغرب للمستشرقة الألمانية زغريد هونكه.
6- المسيحيون وتدوين التاريخ الإسلامي في القرن السابع الهجري د. إمام الشافعي محمد حمودي.
وأخيرًا عُد الى كتب ولقاءات الدكتور العراقي فاضل الربيعي فقد فصَّل الكثير عن ذلك.


