Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. اياد طلال عطار

الاستثمار في الذهب

A A
كلَّما اهتزَّت الأسواقُ، عاد الذهبُ إلى الواجهة يرتفعُ اسمه في نشرات الاقتصاد، ويتصدَّر أحاديث المستثمرِينَ، ويزدادُ الإقبالُ عليه في محالِّ الصَّاغة، فالمعدن الأصفر لا يفقدُ بريقه لا في واجهات المتاجر، ولا في حسابات الاستثمار، لكنَّه يطرح سؤالًا متجدِّدًا: هل هو ملاذٌ آمنٌ فعلًا، أم خيارٌ مبالغٌ في تقديرِهِ؟

منذ آلاف السِّنين، ارتبط الذَّهب بفكرة الثَّروة والاستقرار، لم يكن مجرَّد زينة، بل كان مخزنًا للقيمة، ووسيلةَ تبادلٍ، واحتياطيًّا تحتفظ به الدُّول في بنوكها المركزيَّة وحتى اليوم، ما زالت اقتصادات كُبْرى تحتفظُ بجزءٍ من احتياطياتها على شكل ذهب، كرسالة ثقة في قدرته على الصمود أمام التقلُّبات.

يلجأ المستثمرُونَ إلى الذَّهب -عادةً- في ثلاث حالات: عند ارتفاع التضخُّم، أو تراجع قيمة العُملات، أو تصاعد التوتُّرات الجيوسياسيَّة، في مثل هذه الظروف تتراجع شهيَّة المخاطرة، ويتحوَّل الذَّهبُ إلى «مأوى نفسيٍّ» قبل أنْ يكون ماليًّا، فهو أصلٌ ملموسٌ لا يرتبط بأداء شركة بعينها، ولا يعتمد على أرباح فصليَّة.

لكنَّ الصورة ليست ورديَّةً بالكامل، الذَّهبُ لا يوزِّع أرباحًا، ولا يدرُّ دخلًا دوريًّا، بل يعتمد عائده على فارق السِّعر بين الشِّراء والبَيع، فإذا استقرَّ السعرُ أو تراجعَ، بقي رأسُ المال مجمَّدًا دون نموٍّ؛ لذلك يرى بعض الخبراءِ أنَّه أداةٌ للتحوُّط وحفظ القيمة، لا وسيلة لتحقيق مكاسب سريعة.

في السنوات الأخيرة، تغيَّر شكل الاستثمار في الذَّهب، لم يعد مقتصرًا على السبائك والعملات، بل أصبح متاحًا عبر صناديق متداولة، وأسواق إلكترونيَّة تتيح البيع والشراء بضغطة زر، هذا التحوُّل سهَّل الوصول إليه، لكنَّه زاد أيضًا من حساسيَّته للتقلُّبات اللَّحظيَّة، وحركة المضاربِينَ.

السؤال الأهم ليس: هل نشتري الذَّهب أم لا؟ بل: ما الهدفُ من شرائِهِ؟

إنْ كان الهدف حماية جزءٍ من الثَّروة، وتقليل المخاطر، فقد يكون خيارًا مناسبًا ضمن محفظة متنوِّعة، أمَّا إنْ كان الهدف مضاعفة رأس المال سريعًا، فربما توجد أدوات أُخْرى أكثر ملاءمة، وإنْ كانت أعلى مخاطرة.

ويبقى الذهب أكثر من مجرد معدن، إنه مؤشر على مزاج الأسواق، ومرآة لقلق المستثمرين، ورمز تاريخي للثقة في زمن الشك، وبين بريقه اللامع وحركته المتقلبة، يظل القرار استثماريًّا بقدر ما هو نفسي.

فالذَّهبُ لا يلمعُ فقط في الضوءِ... بل يلمعُ أكثرَ حينَ تشتدُّ العواصفُ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store