«بين ثنايا الذَّاكرة، وفي طيَّات قلوب الآباء، تكمن حكايات لم تُروَ بعد».. بهذه الكلمات المفعمة بالإنسانيَّة، يفتتح الاقتصاديُّ محمد العلي الحمراني الكتاب الصَّادر عن والده -يرحمه الله- «علي بن محمد الحمراني.. سيرة وتاريخ»، للمؤلِّف صالح بن أحمد الحمراني الغامدي، والذي يوثِّق قصَّة نجاح لرجل عصاميٍّ ورائد تجاريٍّ واقتصاديٍّ كبير، ترك بصمات كبيرة في حياة الكثيرين.
يأتي الكتاب ليعيد سرد هذه الرحلة الاستثنائيَّة، لا بوصفها قصَّة صعود اقتصادي فحسب، بل بوصفها سيرة إنسان ظل وفيًّا لجذوره، مهما اتَّسعت آفاقه.
وُلد الشيخ علي الحمراني عام 1912م، ونشأ يتيمًا في ظروف صعبة داخل قرية «الحمران» بمنطقة الباحة، هناك، تشكَّلت ملامح شخصيَّته الأُولَى، بين بساطة الحياة، وصلابة التحدِّي، وفي سن الرابعة عشرة، غادر قريته متَّجهًا إلى جدة، بحثًا عن فرصة للعمل، تاركًا خلفه المكان... لكنَّه حمل معه القِيم، والذَّاكرة، والانتماء الذي لم يخفت يومًا.
في جدَّة، بدأ من الصِّفر، قبل أنْ يلتحق بالعمل مع الشيخ عبدالله السليمان، ليصعد بثقة حتى أصبح شريكًا له، ثمَّ واحدًا من أبرز رجال الأعمال في المملكة، نجح في التجارة، وسبق عصره في استيراد السيَّارات اليابانيَّة؛ ليكون من أوائل مَن أدخلوا «داتسون» (نيسان لاحقًا) إلى السوق السعوديِّ، ثمَّ توسَّعت إمبراطوريَّته التجاريَّة لتشمل الأجهزة المنزليَّة، والمعدَّات الكهربائيَّة، والمواد الاستهلاكيَّة، لكن اللافت في هذه الرحلة، أنَّ اتِّساع أعماله لم يُضعف صلته الأُولَى... بل زادها عمقًا.
لم تكن الباحة بالنسبة للحمراني مجرَّد مسقط رأس، بل كانت قضيَّة انتماء، ظلَّ حاضرًا فيها، داعمًا لأهلها، قريبًا من تفاصيل حياتهم، مؤمنًا أنَّ النجاح الحقيقيَّ لا يكتمل إلَّا بالعودة إلى الجذور، وتتجلَّى ذروة هذا الوفاء في مبادرته مع أهالي المنطقه، بدعوة الملك سعود -رحمه الله- لزيارة منطقة الباحة، بما فيها قريته «الحمران»، في خطوة تحمل دلالات عميقة؛ إذ لم تكن مجرَّد زيارة رسميَّة، بل كانت تعبيرًا عن اعتزاز رجلٍ بمكان نشأته، ورغبته في أنْ تحظى منطقته بالاهتمام الذي تستحقه.
امتدَّ وفاء الحمراني إلى عملٍ إنسانيٍّ ملموسٍ؛ فقد كان سندًا لأبناء منطقته، يدعم الأسر المحتاجة، ويسهم في علاج المرضى، ويحرص على تنظيم حملات الحجِّ لأهالي الباحة على نفقته الخاصَّة، كما لم يغفل الشَّباب، فكان من الدَّاعمين لتوظيفهم وتمكينهم، مؤمنًا بأنَّ بناء الإنسان لا يقل أهميَّة عن بناء التجارة، وفي كل ذلك، لم يكن يسعى لظهور أو ثناء، بل كان يعمل بصمتٍ، تاركًا أثرًا بقي حيًّا بعد رحيله.
يأتي كتاب «علي بن محمد الحمراني.. سيرة وتاريخ» ليُنصف هذه الجوانب، حيث لا يكتفي بتتبُّع إنجازاته الاقتصاديَّة، بل يمنح مساحة واسعةً لروحه الإنسانيَّة، وعلاقته العميقة بالباحة، التي لم تكن محطة بداية فقط، بل ظلت بوصلةَ حياةٍ، كما يعزِّز الكتاب هذه الصورة عبر شهادات شخصيَّات عامَّة في بابه الخامس، تؤكِّد أنَّ الحمراني لم يكن مجرَّد رجل أعمال ناجح، بل نموذجًا للإنسان الذي ظلَّ وفيًّا لأصله، مهما بلغ من المكانة.
تُوفِّي الشيخ علي الحمراني في جدة عام 1976م، بعد مسيرة امتدت ثمانين عامًا، لكنَّه لم يرحل حقًا؛ فقد بقي في ذاكرة المكان، وفي دعوات من ساعدهم، وفي أثرٍ لا يُمحى.


