Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي

سباق التسلح

A A
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م، حدث تحوُّل في بنية النِّظام الدوليِّ، وفي طبيعة الصراعات بين الدول، فلم تكن نتائج الحرب مقتصرةً على إعادة رسم الخرائط السياسيَّة، بل تجاوزت ذلك إلى رسم مرحلة تاريخيَّة جديدة اتَّسمت بتعاظم دور القوة التدميريَّة غير المسبوقة، المتمثِّلة في السلاح النوويِّ. وكان استخدام الأمريكيِّين للسِّلاح النوويِّ في هيروشيما، وناجازاكي نقطة فاصلة في التاريخ المعاصر، بحيث أصبح التقدُّم العلميُّ والتكنولوجيُّ مرتبطًا ارتباطًا بإنتاج أسلحة قادرة على إبادة جماعيَّة، وفرض على المجتمع الدوليِّ واقعًا أمنيًّا تحكمه معادلات الرَّدع. وفي ظلِّ ذلك الواقع، برزت الولايات المتحدة الأمريكيَّة والاتحاد السوفيتي بوصفهما القوتَين العظميين في العالم، ودخلتا في صراع لم يكن بشكل مواجهة عسكريَّة مباشرة، بقدر ما اتَّسم بالتنافس السياسيِّ، والأيديولوجيِّ، والاقتصاديِّ، والعسكريِّ. وشكَّل السِّلاح النوويُّ قلب ذلك التنافس، فتحوَّل من أداة عسكريَّة إلى وسيلة لتكريس النفوذ، وضمان الأمن القوميِّ، وفرض التوازن الدوليِّ، ولم يعد سباق التسلُّح النوويِّ مجرَّد مسألة تقنيَّة أو عسكريَّة، وإنَّما أصبح ظاهرة سياسيَّة صبغت العلاقات الدوليَّة خلال النصف الثَّاني من القرن العشرين.

اتَّسم سباق التَّسلح النووي منذ بداياته بطابعٍ تصاعديٍّ، فلم يقتصر على امتلاك القنبلة النوويَّة فحسب، بل امتد ليشمل تطوير أنواع أكثر فتكًا، ووسائل إيصال أكثر دقَّة، ومنظومات إستراتيجيَّة قادرة على تجاوز الدفاعات التقليديَّة. ومع كسر الاحتكار النوويِّ الأمريكيِّ عام 1949م، دخل العالم مرحلة جديدة من التوازن القائم على الردع المتبادل، حيث باتت أي مواجهة محتملة بين القوتين العظميين تهدد بفناء شامل، وهو ما أسهم في ترسيخ مفهوم «توازن الرعب» بوصفه أحد أعمدة الاستقرار الدوليِّ.

أصبح السعي إلى امتلاك اسلحة نوويَّة ظاهرة خطيرة في النظام الدوليِّ أُطلق عليها مصطلح الانتشار النوويِّ، حيث صُنِّفت الأسلحة النوويَّة والكيميائيَّة والبيولوجيَّة أسلحة دمار شامل وفق تسمية الأمم المتحدة. وفي ديسمبر 1946م، أكدت الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة على ضرورة تنظيم خفض التسلُّح، وطلبت من مجلس الأمن دراسة الوسائل العمليَّة لذلك. وفي 13 فبراير 1947م، أنشأ المجلس لجنة للأسلحة التقليديَّة لإعداد مقترحات التنظيم وخفض الأسلحة ووضع الضمانات اللازمة، ثم دمجت مهامها مع لجنة الطاقة الذريَّة في لجنة واحدة لنزع السلاح عام 1952م، لتقديم اقتراحات حول ضمان السيطرة الدوليَّة على الطاقة الذريَّة، والكشف المستمر على الأسلحة النوويَّة، ووضع القيود والضمانات الدوليَّة لتنفيذ الاتفاقات. وتُعد معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النوويَّة (NPT) إحدى الركائز الأساسيَّة للجهود الدوليَّة الرَّامية إلى الحد من انتشار السلاح النوويِّ، وحماية الأمن والسلم الدوليين، تم توقيع المعاهدة في 1 يونيو 1968م، وقعت عليها (187) دولة، وتضمَّنت وقف سباق التسلح النوويِّ، ومنع انتشار التكنولوجيا والأسلحة النوويَّة، وتشجيع التعاون الدولي في استخدامات الطاقة النوويَّة السلميَّة، وتسهيل الرقابة على المنشآت النوويَّة للدول غير النوويَّة وإنشاء مناطق خالية من الأسلحة النوويَّة، وهو ما يساهم في دعم جهود نزع السلاح الكامل على المستوى الإقليميِّ والدوليِّ ورغم ذلك لا يزال العالم يعيش رعب الدمار الشامل بهكذا أسلحة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store