لم تعد الهجمات على منشآت النفط في دول مجلس التعاون، ومنها البحرين والكويت، حوادث معزولة يمكن احتواؤها ضمن سياق أمني ضيق، بل باتت تعبيرًا عن نهج متكرر يعكس سلوكًا إيرانيًا تصعيديًا يهدد استقرار المنطقة منذ سنوات. الجديد في هذه الجولة هو اتساع نطاق الاستهداف وتركيزه على البنية التحتية الحيوية، بما يضع أمن الطاقة في قلب المواجهة.
اللافت أن هذه الاعتداءات جاءت في توقيت حساس، قبل انقضاء المهلة التي حددتها واشنطن للتوصل إلى اتفاق مع طهران، وهو ما يشي بأن إيران لا تسعى إلى خفض التوتر، بل إلى إعادة تشكيله وفق شروطها. هذا السلوك يطرح إشكالية مزدوجة: من جهة، يعكس رغبة في كسر الضغوط الدولية، ومن جهة أخرى يكشف عن استعداد للمخاطرة بمزيد من التصعيد، حتى لو امتد أثره إلى الداخل الإيراني نفسه.
استهداف دول الخليج في هذا السياق لا يبدو عرضيًا، بل يدخل ضمن محاولة لتوسيع نطاق الصراع ونقله إلى بيئة أكثر حساسية وتأثيرًا. فالهجمات على منشآت النفط في الكويت والبحرين تمثل تصعيدًا يتجاوز منطق الرد العسكري التقليدي، ويهدف إلى إرباك التوازنات الإقليمية، وإقحام أطراف إضافية في معادلة معقدة أصلًا. وهو ما يضع المنطقة أمام احتمال انزلاق تدريجي نحو مواجهة أوسع يصعب التحكم في مساراتها.
الأداة المستخدمة في هذا التصعيد تعكس بدورها تحولًا نوعيًا؛ إذ يجري الاعتماد بشكل متزايد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لاستهداف منشآت مدنية، وهو ما يضفي على العمليات طابعًا استراتيجيًا يتجاوز الرسائل العسكرية المحدودة. حجم وكثافة هذه الهجمات يشيران إلى نهج يستهدف استنزاف القدرات الاقتصادية لدول الخليج، أكثر من كونه مجرد رد فعل على تطورات ميدانية.
غير أن الخطر لا يتوقف عند حدود الخليج. فتعطيل منشآت الطاقة، أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، يعني عمليًا التأثير في شريان رئيسي يمد العالم بالنفط والغاز. ومع أي اضطراب في هذا المسار، ترتفع الأسعار وتتأثر سلاسل الإمداد، ما ينعكس مباشرة على الاقتصادات العالمية، خصوصًا في الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة. وفي ظل هشاشة الاقتصاد الدولي، فإن مثل هذه الصدمات قد تكون كفيلة بإعادة إنتاج موجات تضخم واضطراب جديدة.
المفارقة أن الأطراف التي يُفترض أن تكون هدفًا لهذا التصعيد، مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، ليست الأكثر تضررًا في المدى المباشر. بل إن العبء الأكبر يقع على دول الخليج المستهدفة، وعلى الدول النامية التي تجد نفسها أمام ارتفاع متسارع في تكاليف الطاقة، بما يزيد من أعبائها الاقتصادية والمعيشية. وهذا ما يجعل هذه الاعتداءات ليست فقط خرقًا أمنيًا، بل إخلالًا بتوازنات السوق العالمية وبقواعد الاستقرار الدولي.
في المحصلة، يكشف هذا المسار عن توجه خطير يتمثل في توظيف الطاقة كأداة صراع، بما يحولها من عامل استقرار إلى عنصر ضغط وابتزاز. وهو ما يفرض على المجتمع الدولي مراجعة أدواته، والانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الفعل، سواء عبر حماية الممرات الحيوية أو دعم مسارات التهدئة. فاستمرار هذا النهج لا يهدد الخليج وحده، بل يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد قد تكون كلفته أعلى مما يتوقعه كثيرون.


