Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

من صوت الأرض.. إلى سماء الإبداع والاشتياق

A A
في أمسيةٍ مميَّزةٍ، احتفل صالونُ الكلمة -بالتعاون مع جمعيَّة الثقافة والفنون بجدَّة- مع مرتاديه من المثقَّفِينَ والأدباء والكُتَّاب، وجمعٍ من رجال وسيِّدات المجتمع، بعيد الفطر المبارك، وكم كانت فرصة سانحة للخروج من أخبار الحروب ومآسيها، إلى أجواءٍ تُشعرنَا بأنَّ الحياة لازالت بخيرٍ، وأنَّ هناك فسحةً من أمل؛ لأنَّنا نعيش في وطن الأمن والأمان، وفي ظلِّ قيادة هيَّأت لمواطنِيها الحياة الكريمة.

لقد كان حفلًا بهيجًا، أعاد وهج الماضي إلى الواجهة؛ حيث حلَّقنَا في سماء الأصالة والطَّرب الرَّصين، والمواويل الحجازيَّة، والدانات، مع المطرب المتألِّق دائمًا الفنان محمد هاشم، فقد ألهب مشاعر الجمهور الذي تفاعل معه بصورةٍ كبيرةٍ، حيث ظلَّ بعضُه واقفًا لاكتظاظ الصالة بعشاق فن طلال مداح.

الفنان الهاشم يتمتَّع بقدرٍ كبيرٍ من رهافة الإحساس، فكل كلمة هي إيقاع على مشاعره تختصرها قطرات العَرَق المتصبِّب من جبينه، ومع ذلك يواصل الأداء والانغماس في بحر صوت الأرض.. هنا أدركتُ معنَى بأنْ تكون فنانًا مرهف الإحساس، ومتذوِّقًا للكلمة، ومستشعِرًا للمعنى، ومدرِكًا لحُبِّ جمهورك، فهم وقود نجاحك.

أهاجت الذكريات والشوق والحنين إلى الماضي، والمواقف في كلِّ أغنية ومناسبتها، فاليوم يمكن تقولي يا نفسي أنَّك سعيدة، ووردك يا زارع الورد، ومن بعد مزح ولعب، وصار حبك صحيح، وأحبك لو تكون حاضر، ويا عيون النرجسي، وفوق سلم الطائرة بكيت.. وغيرها. وهنا حضرت أرواح المبدعِين من كُتَّاب الأغنية السعوديَّة، وخاصَّةً الحجازيَّة، مثل ثريا قابل، وإبراهيم خفاجي، ولطفي زيني، والملحنِين مثل سراج عمر، وفوزي محسون، وطارق عبدالحكيم -رحمهم الله- هذا الفن الطلالي يمثِّل تراثًا ثقافيًّا بديعًا، ويحقُّ لنا أنْ نطالب بتسجيله في اليونسكو كجزءٍ من التراث غير الماديِّ، وأنَّنا أُمَّة ذات حضارة في شتَّى مجالات الحياة.

وقد كان لحضور الإعلاميِّ المتميِّز علي فقندش، والأستاذ خالد أبومنذر، دور في إلقاء الضوء على شخصيَّة طلال مداح، وإنسانيَّته التي تتجاوز عبقريَّته الفنيَّة، وإعطاء أمثلة ومنها حضور مصوِّر من الرياض لتصوير بعض من أعماله، ولكن تعطُّل الكاميرا، حال دون ذلك.. ومع هذا يأخذ طلال بخاطره، ويقول له: «بكره نصوِّر». كما كان هناك حفل كبير تركه لأجل بعض البسطاء من أبناء حارته، ونسي الأموال. وفي رأيي أنَّ هذا التَّواضع، وجبره لخواطر الناس، ربما من أسباب نجاحه، ووصوله لقمة المجد الفنيِّ.

وممَّا أضفى على الحفل رونقًا، وجود شبيه طلال مداح، السيد عيسى التركي، الذي للوهلة الأولى تظنُّه هو. حتمًا لم يكن ذلك صدفةً، وإنَّما بالتَّنظيم والاستعدادات والتَّنسيق، ومتابعة كبيرة من رائدة صالون الكلمة الأستاذة نبيلة محجوب، وعضوات الصَّالون.. ومنهنَّ مهندسة اللقاء الدكتورة إيمان أشقر، التي استحقَّت التكريم وبوشاح من مصمِّمة الأزياء السعوديَّة أميمة عزوز، تم إهداؤه لها نظير الجهود الكبيرة التي بُذِلَت، وبكثير من الحماس والحُبِّ.

استمر اللقاء ثلاث ساعات، لم نشعر خلالها بالزَّمن، حيث انفصلت كبسولة الانطلاق لتحلِّق في سماء الإبداع والاشتياق، وتفاعل الفرقة الموسيقيَّة التي أبدع كلٌّ منهم في عزفه على آلته.

ما نتمناه جمع تراث طلال مداح في موسوعة، خاصة وأنَّ الأستاذ خالد منذر -المشرف على أعماله- قال إنَّ لديه أكثر من ألفَي أغنية، وأنَّ بعضها احتفظ بها في صوالين خاصَّة.. وأنَّ تكتب قصص من حياته يستلهم منها الجيل الجديد معنى أن تكون فنانًا؛ يعنى أنَّك إنسان بكل ما تعنية الكلمة من حب للآخرين، وتضحية بالنَّفس والصَّبر على النَّاس.. ومشاعر عذبة تمنحهم الحياة، ويستلهمُون منها معاني الإنسانيَّة والوفاء.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store