لم أزر الولايات المتحدة منذ ستة أشهر. ليست مدةً طويلةً في عمر الدُّول، لكنَّها تكفي أحيانًا لالتقاط تبدُّلٍ في الهواء العام. ما شعرتُ به هذه المرَّة لم يكن الصَّخبَ السياسيَّ المألوف، بل شيئًا أدقَّ: بلدٌ يزدادُ ارتفاعًا في استعراضه، ويزدادُ انقطاعًا عن نفسه.
في نيويورك، وبعد اجتماعات مجلس إدارة وزياراتٍ أُخْرى، ما زالت المدينةُ قادرةً على إنتاج الضُّوء واللُّغة والجَدَل، لكن تحت هذا البريق بدا شيءٌ من التخفُّف من المعنى، كأنَّها لم تعد تعيشُ دورها بقدر ما تُحسِن أداءَهُ. وقد رتَّبت لنا زميلةٌ كريمةٌ زيارةً مبكِّرةً وخاصَّةً إلى The New Museum، فلم يكن غريبًا أنْ يفرض المتحفُ الجديدُ في شارع باوري نفسه عليَّ كاستعارةٍ. مبنى أُعيد افتتاحه بعد توسعةٍ كُبْرى، يحمل معرضًا عن «بشرٍ جددٍ» و«ذكريات المستقبل»، وتقول إدارته إنَّه ليس مكانًا لحفظ التَّاريخ وتسجيله، بل مكانٌ يُصنع فيه التاريخ. وهنا تمامًا استقرَّت المفارقة في ذهني: ماذا يعني أنْ يكفَّ صُنعُ التاريخ، ويبقى العرض؟
بدا المبنَى وكأنَّه يشرحُ أمريكا من دون أن يقصد: أكبر حجمًا، أكثر وعيًا بنفسها، وأكثر قلقًا من مقياسها الإنسانيِّ. لا تقف أمام ماضٍ محفوظٍ، بل أمام حضارةٍ تعيد تقديم نفسها بوصفها حدثًا دائمًا، حتى وهي تفقد شيئًا من قدرتها على الفعل الهادئ المتِّصل.
غير أنَّ المدينة ليست متحفها وحده. ففي مشهدها السياسيِّ، بدت نيويورك مامداني تقدِّم شيئًا مختلفًا في الشَّكل، وأقل اختلافًا في الجوهر. رمزُ أوَّل عمدةٍ مسلمٍ للمدينة بالغ القوة، ولحظةُ القَسَم في محطة المترو المهجورة على المصحف الشَّريف تحملُ من الرمزيَّة أكثر ممَّا تحمل من الإدارة. غير أنَّ الأسابيع الأولى أعادت إظهار القانون الأوَّل للسلطة: الوعد يسبق البنية، والرمز يسبق القدرة. وليس في هذا طعنٌ في الرَّجل، بل وصفٌ لحقيقة أعم: كثافةٌ في الإشارة، ورخاوةٌ في الأثر. كأنَّ حتى البديل هنا يُستهلك سريعًا بوصفه مشهدًا.
ثمَّ كانت محطتِي في هارفارد، التي كانت لي، على نحوٍ أو آخرَ، وطنًا فكريًّا لثلاثة عقود. في الزيارة وفاءٌ، لكن فيها أيضًا مسافةٌ موجعة. الجامعات الكُبرى يُفترض أنْ تحفظ الذاكرة الطويلة للجمهوريَّة، وأنْ تمدَّها بتقاليد الجديَّة وضبط النفس. لكن هارفارد اليوم تبدو واقفةً داخل رجفةٍ وطنيَّةٍ أوسعَ. أكثر من 2.2 مليار دولار جُمِّدت من تمويلها البحثيِّ، ودعاوى متعدِّدة من وزارة العدل في الإدارة الحاليَّة، وكل ذلك تحت راية مكافحة معاداة السَّاميَّة. وقضى قاضٍ فيدراليٌّ بأنَّ هذه الرَّاية ليست إلَّا «ستارًا دخانيًّا» يُخفي هجومًا أيديولوجيًّا منظَّمًا على أبرز جامعات البلاد، فيما اضطرت الجامعة إلى مقاضاة حكومتها لاسترداد استقلالها. والمقلق ليس الحصار على التَّعليم العالي وحده، بل ما يكشفه: حين تُوظَّف أشدُّ الذرائع أخلاقيَّةً سلاحًا في معركةٍ سياسيَّةٍ، ويراها كثيرٌ من الأمريكيِّين فصلًا إضافيًّا من مسلسلٍ داخليٍّ طويلٍ، لا انقلابًا في المزاج الأخلاقيِّ للدولة تجاه نفسها والعالم، فهذا هو المتحف بعينه؛ حتى الضمير يُستعرَض، ولا يُمارَس.
وفي الخلفية، وبين اللقاءات والذكريات، سرقتُ سويعاتٍ لمشاهدةِ الفيلم الوثائقيِّ The AI Doc. في ظاهره، أبٌ يوشك أنْ يستقبل طفله الأوَّل ويسأل: ماذا سيرث أطفالُنا؟ وفي عمقه، يلتقط قلقًا متصاعدًا بين النُّخب الأمريكيَّة تجاه الذكاء الاصطناعيِّ، بوصفه علامةً على حضارةٍ بدأت تسأل الآلة عمَّا عجزت الإرادة السياسيَّة عن حسمه. لا كارثيَّةٌ خالصة، ولا ثقةٌ عمياء؛ بل ذلك «التشاؤل المتفائل» «Apocaloptimist» الذي يصلح، ربما، وصفًا لأمريكا نفسها في هذه المرحلة: أمةٌ بنت قوتها على الفعل، ثم أخذت تعيد تقديم نفسها بوصفها عرضًا دائمًا عن المستقبل، أكثر من كونها حالةً تحكم الحاضر.
لهذا خطر لي العنوان: المتحف الجديد. فأمريكا لن تختفي. هي أكبر من أنْ تُمحى، وأخطر من أنْ تُهمَل. لكنَّها تبدو، في هذه المرحلة، كأنَّها دخلت طور العرض الدائم لنفسها: قوةٌ تُستعرَض أكثر ممَّا تُمارَس، وغضبٌ يُؤرشف أكثر ممَّا يُهذَّب، وقلقٌ يُجمَّل أكثر ممَّا يُعالَج. وحين تبلغ الحضارة هذه المرحلة، لا تعود تخشى الزَّوال بقدر ما تخشى الصَّمت؛ فتملأ الفراغ بالأداء، وتسمِّي الانفعال سياسةً. والمتحف، في النهاية، ليس مكان الأشياء الزائلة، بل مكان الحضارات حين يعجز الفعل العادي عن حمل معناها.
الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختبَر.


