Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

الدين والشريعة والمذهب

A A
عندما خلقَ اللهُ تعَالَى الجِّنَّ والإِنسَ لم يخلقهما عبثًا، بل خلقهما لعبادتِهِ، كما في قولهِ تعَالَى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، ثمَّ لعمارة الأرض، كما في قولهِ تعَالَى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)، وبما أنَّه -سبحانَهُ- قد خلقهم لعبادته، فإنَّه سيضع لهم منهجًا يسيرُون عليه في هذه العبادة، وهذا المنهج هو الدِّين، وهذا الدِّين سمَّاه سبحانَهُ الإسلام، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ) فالدِّينُ واحدٌ، ولا دينَ غيرُه كما يردِّد البعضُ جهلًا، فيقول الأديان، كالدِّين المسيحيِّ، والدِّين اليهوديِّ، وغير ذلك، فهذه ليست أديانًا، بل هي شرائعُ مستمدَّة من الدِّين الأوحد، حيث كان ربنا -سبحانَهُ- يرسلُ بها رسلَه تتابعًا لكلِّ أُمَّة، وكان يرسل مع كلِّ رسولٍ كتابًا يتضمَّن مضامينَ تلك العبادة لكلِّ أُمَّة، ومن تلك الكُتب المرسلة التَّوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، الذي كان كتابًا للشريعة المحمديَّة آخر الشَّرائع السماويَّة وخاتمتها؛ لذا نراه يجمع ما تضمَّنته كلُّ الشرائع السَّابقة، عدا ما أضاف الله لها، أو نُسخ منها. وفي هذا الكتاب اكتمل الدين، وأتمه الله، وفصله، وفسره، ولم يفرط منه في شيء، كما في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وقوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)، وقوله تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، وهنا قال الله تعالى للمسلمِينَ: إنَّ هذا الكتاب جاءَ لكلِّ مَن وحَّد اللهَ سبحانَهُ، ولم يجعل له شريكًا أيًّا كانت شريعته؛ لأنَّ الإسلام يشملُ كلَّ الموحِّدِينَ، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، وليس كما يدَّعي البعضُ أنَّ المسلمِينَ هم أُمَّة محمَّد -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فقطْ، فهم المؤمنُون، حيث إنَّ كلَّ مُؤمنٍ مسلمٌ، ولكنْ ليسَ كلُّ مسلمٍ مؤمنًا؛ لأنَّ الإيمان لا بُدَّ وأنْ تؤمن باللهِ، وملائكتِهِ، وكتبِهِ، ورُسلِهِ، واليومِ الآخرِ، وبالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ.

والدِّينُ لا بُدَّ وأنْ يتضمَّن الإسلامَ مع الإحسانِ كما في قولهِ تعَالَى: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، فالإسلام وحدانيَّة الله بالعبادة، أمَّا الإحسانُ فهو الإنفاقُ من غيرِ منَّةٍ ولا تردُّدٍ بالإضافةِ إلى كظمِ الغيضِ، والعفوِ عن النَّاس، وعدمِ الانتقام، والمستغفرِينَ لذنوبِهم كما في قولهِ تعَالَى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ).

أمَّا المذاهبُ، فهي اجتهاداتٌ بشريَّةٌ، ولا علاقة لها بالدِّين الربانيِّ الذي أنزله اللهُ من عندِهِ، جاءت هذه الاجتهاداتُ بعد مرورِ قرنَين من الزَّمان بعد وفاةِ الرسولِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فكيف تكون دينًا؟ والدِّين قد اكتملَ وأتمَّه اللهُ وفصَّلهُ وفسَّرَهُ ولم يفرِّط فيهِ فِي شيء؟ وكيف عاش الصحابةُ، والتَّابعون قرنَين بدون وجودها، هل دينهم ناقص؟!

وهذا لا يعني أنَّ تلك المذاهب خارجةً عن الدِّين بشكلٍ كاملٍ، بل هناك بعضٌ من الاجتهادات البشريَّة التي تخالفُ كتاب الله -سبحانَه وتعَالى- وتخالفُ الصحيحَ من سُنَّة نبيِّه -عليه الصَّلاةُ والسَّلام- التي لم تخرج إطلاقًا عن كتاب الله تعالى، الذي كلف بتبليغه، والذي كان حريصًا -كل الحرص- على ذلك التَّبليغ.

لذا علينا أنْ نلتزم بمضامين التَّشريع الربانيِّ في كتابهِ الكريم، الذي بيَّنهُ، وفصَّلهُ، وأكمَلَهُ، وأتمَّهُ، وفسَّرَهُ، ولم يفرِّط منهُ فِي شيءٍ، وعلينا أنْ نفرِّق بين الرَّسولِ والنبيِّ، فالرَّسولُ يبلِّغ ما أنزلَ إليه الرَّبُّ من عندهِ، أمَّا النَّبيُّ فهو القيم والأخلاق والمعاملة التي يكون عليها النَّبيُّ، وهذا ما قالَه النبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارَمَ الأَخْلَاقِ).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store