لا أكتبُ من موقع طبيٍّ، ولا من منصَّة مختصٍّ، ولا أقدِّم طرحًا جديدًا في ملف طُرح كثيرًا، وناقشه أهلُ الشأن من أطبَّاء ومختصِّين، أكتبُ من زاويةِ إنسانٍ يرى مشهدًا يتكرَّر، ويحتفظ في ذاكرته بصورةٍ أُخْرى للمهنة كانت أقرب، وأعمق، وأكثر اتساعًا.
الطب في جوهرهِ لم يكن يومًا مجرَّد تشخيصٍ، أو وصفةٍ أو نتيجةِ تحليلٍ، بل كان قراءة ممتدة للحالة، وفهمًا يتجاوز العرض المباشر، وربطًا بين تفاصيل قد تبدو صغيرةً، لكنَّها تصنع الفرق، كان الطبيبُ يدخل إلى الحالة من أكثر من باب، لا يكتفي بما يظهر، بل يبحث عمَّا خلفه.
اليوم وفي بعض النماذج يخرج المريض بإحساس مختلف، يدخل وهو يحمل أسئلته، قلقه؟! وربما تاريخًا متداخلًا من الأعراض، ثمَّ يغادر بإجابات مختصرة، وخطوات محدَّدة وإحالات متتالية، وكأنَّ الحالة اختُزلت في مسار سريع لا يعكس حجم ما جاء به المريضُ.
لا أحدَ يطالب بالمثاليَّة، ولا يمكن إغفال ما يواجهه الطَّبيب من ضغوط وكثافة مراجعين، أنظمة تشغيليَّة، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على التقنية، التي أصبحت جزءًا أصيلًا من الممارسة الطبيَّة اليوم، وفي المقابل هناك كفاءات طبيَّة عالية، وذكاء مهني متقدِّم، وجهود تُقدَّر في مختلف القطاعات.
لكن وعلى الرغم من هذا التطوُّر تبقى ملاحظة تتكرَّر: أين شمولية النظر للحالة؟! أين ذلك التعمُّق الذي يجعل الطَّبيب لا يتوقَّف عند أول إجابة، وأنْ يستمر في القراءة والربط والتفكيك؟
المريض الذي يتكلَّف وقتًا ومالًا لا يبحث فقط عن نتيجةِ تحليلٍ.. عن من ينظر إلى حالته بوصفها قصَّة متكاملة، لا مجرَّد عرض منفصل، عن من يملك القدرة على جمع الخيوط لا توزيعها.
وفي الذاكرة تجربة مختلفة، أطباء في زمن لم تكن فيه التقنية، ومع ذلك كانت القراءة أوسع، والتعامل أكثر عمقًا، والحالة تُفهم في سياقها الكامل، لم تكن المسألة إمكانيَّات بقدر ما كانت منهجًا في التَّفكير، وطريقة في الاقتراب من المريض.
ربما لا تعود تلك الصورة كما كانت، ولا كان هذا مطلبًا، لكن يمكن استلهام جزءٍ منها أن تبقى التقنية أداةً، لا بديلًا عن الفهم، وأن يظل الطَّبيبُ حاضرًا بعقله قبل أجهزته، وبقراءته قبل إجراءاته.
* نقطة تحت السطر:
التَّقنيةُ تختصرُ الطَّريقَ... لكنَّ الفهمَ وحدَهُ يصلُ.


