Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
صالح عبدالله المسلّم

«الوافدة».. آثار سلبية وعوائق تنموية؟!

A A
تُشيرُ الإحصاءاتُ إلى أنَّ جُزءًا مُعتبرًا من العمالة الوافدة يتركَّز في وظائف منخفضة المهارة، لا تتطلَّب تأهيلًا عاليًا، أو تدريبًا متخصِّصًا، ورغم أهميَّة هذه الأعمال، في بعض القطاعات، إلَّا أنَّ تضخُمها أوجدَ حالةً من الاعتماد المُفرط على العمالة الرَّخيصة؛ ممَّا أثَّر سلبًا على تحفيز الابتكار، ورفع كفاءة بيئة العمل، كما أسهم في إضعاف تنافسيَّة الكوادر الوطنيَّة في بعض المجالات.

شهدت «السعوديَّة» خلال العقود الماضية حضورًا ملحوظًا للعمالة الوافدة، التي أسهمت -بلا شكٍّ- في دعم مسيرة التَّنمية في مراحل مختلفة، خاصَّةً في فترات الطَّفرة الاقتصاديَّة والتوسُّع العمرانيِّ، إلَّا أنَّ هذا الحضور الكبير، خصوصًا في فئةِ العمالة غير المؤهَّلة، بات يطرح تساؤلات جوهريَّة حول تأثيراته على سوق العمل، والتركيبة السكانيَّة، ومستويات الإنتاجيَّة، بل وعلى بعض الجوانب الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة..!

كما أنَّ وجود أعدادٍ كبيرةٍ من العمالة «غير المؤهَّلة»؛ قد ينعكسُ على مستوى الإنتاجيَّة، حيث تميلُ بعض المنشآت إلى التوسُّع الكميِّ بدلًا من الاستثمار في الجودة والتَّقنية والتَّأهيل، وهذا النَّمط لا يتماشى مع مستهدَفات الاقتصاد الحديث، الذي يقوم على المعرفة والكفاءة والاستدامة.

من جهةٍ أُخْرى، فإنَّ عدم توازن التركيبة السكانيَّة النَّاتج عن تزايد أعداد العمالة الوافدة في بعض المُدن، يفرض تحدِّيات إضافيَّة تتعلَّق بالخدمات، والبنية التحتيَّة، والتوازن الاجتماعيِّ، وهو ما يستدعي إعادة النَّظر في معايير الاستقدام، بحيث تكون أكثرَ ارتباطًا باحتياجاتِ السُّوق الفعليَّة، لا مجرَّد سد فجوات قصيرة الأجل.

وفي هذا السِّياق، تبرزُ أهميَّة برامج «التَّوطين» و»السَّعودة» كأحد أهم المسارات الإستراتيجيَّة لتحقيق التَّوازن في سوق العمل، غير أنَّ التَّوطين لا ينبغِي أنْ يُفهم بوصفه مجرَّد إحلال عدديٍّ، بل كعمليَّة شاملة تقوم على التَّأهيل والتَّدريب، ورفع المهارات، بما يمكِّن المواطن من المنافسة الفعليَّة، والإنتاجيَّة العالية.

إن تمكين الكوادر الوطنية يتطلب الاستثمار الجاد في التعليم النوعي، والتدريب التقني والمهني، وربط مخرجات التعليم باحتياجات السوق، كما يتطلب تحفيز القطاع الخاص لتبني نماذج عمل أكثر كفاءة، تعتمد على التقنية والابتكار بدلًا من العمالة كثيفة العدد.

أمَّا الإحلال، فيجب أنْ يتم بشكلٍ تدريجيٍّ ومدروسٍ، يراعي طبيعة كلِّ قطاع، ويضمن عدم حدوث فجوات في الأداء أو الإنتاج، ويمكن تحقيق ذلك من خلال خطط انتقاليَّة واضحة، تشمل نقل المعرفة، وإعادة هيكلة الوظائف، وتحسين بيئة العمل لجعلها أكثر جذبًا للمواطنِينَ.

وفي المقابل، فإنَّ «ضبط استقدام العمالة غير المؤهَّلة»، ووضع معايير أكثر صرامةً لجلب الكفاءات، سيسهم في رفع جودة سوق العمل، وتقليل الممارسات السلبيَّة المرتبطة ببعض الأنشطة غير المنظَّمة.

إنَّ تحقيق التوازن في سوق العمل، يتطلَّب «رُؤيةً متكاملةً» تجمع بين تنظيم الاستقدام، وتمكين المواطن، ورفع الإنتاجيَّة، وتعزيز جودة الوظائف، فالمُستقبل الاقتصاديُّ للمملكة يعتمد بشكل كبير على كفاءة رأس المال البشريِّ، وقدرته على «الإبداع»، والمنافسة في عالم سريع التغيُّر.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store