من أهمِّ ما يميِّز مركز الأديب عبدالله بن إدريس الثقافيِّ؛ أنَّه أُنشئ ليس لمجتمع المنطقة التي أُنشئ فيها بالعاصمة الرِّياض، وإنَّما حرص أخي الدكتور المتميِّز زياد بن إدريس -القائم على مركز والده- أنْ يشمل نشاط المركز جميع مدن ومناطق المملكة، وقد كانت البداية الأسبوع الماضي، في مركز حِراء الثقافيِّ بمكَّة المكرَّمة تحت جبل النور، حيث بداية الأمر الإلهيِّ لرسولِ اللهِ محمَّدٍ بن عبداللهِ -عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ-، وبرعايةٍ شخصيَّةٍ مِن معالي فضيلة الأستاذ الدكتور صالح بن حميد إمام الحرم المكيِّ -حفظَهُ اللهُ-، والذي ألقَى محاضرةً قيِّمةً عن القيمِ المكيَّة، وكانتْ محاضرة لهَا أثرٌ كبيرٌ، وبحضورِ معالي رئيس جامعة أُمِّ القُرَى، ورئيس جامعة الطَّائف، ومجموعة من مديري الجامعات السَّابقين، ودكاترة الجامعات من الباحثِينَ، وأودُّ أوَّلًا أنْ أقدِّم شكري للقائمِين على مركز عبدالله بن إدريس الثقافيِّ على اهتماماتِهم بهذا الموضوع، وأشكرُ كلَّ مَن شاركَ بورقة بحثيَّة في موضوع القِيم المكيَّة.
ففي قلبِ العالمِ الإسلاميِّ، حيثُ تتجهُ أفئدة المسلمِين ووجوههم خمس مرَّات في اليوم، تقف مكَّة المكرَّمة شامخةً بقيمِها التي لم تكن يومًا مجرَّد شعاراتٍ، بل منهج حياة متكامل، شكَّل وجدان الأمة الإسلاميَّة عبر القرون، فالقيم المكيَّة ليست فقط نتاج مكان، بل هي انعكاس لرسالة عظيمة، انطلقت من أطهر بقاع الأرض، حين بُعث فيها النبيُّ محمَّد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ ليؤسس منظومةً أخلاقيَّةً وإنسانيَّةً لا تزالُ حتى اليوم مصدرَ إلهام للعالم أجمع.
تقوم القِيم المكيَّة في جوهرها على التَّوحيد الخالص، وهو المبدأ الذي يحرِّر الإنسان من كلِّ أشكال التبعيَّة لغير الله، ويمنحه كرامةً داخليَّةً قائمةً على الإيمان العميق والثقة بالله، وقد تجلَّى هذا المعنى منذ اللَّحظات الأُولَى للدَّعوة، حين واجه النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- مجتمعًا مليئًا بالتحدِّيات الفكريَّة والاجتماعيَّة، فكانت الرسالة واضحة: تحرير الإنسان أوَّلًا، ثمَّ بناء المجتمع على أساس العدل والمساواة.
ومن أبرز ما يميِّز القيم المكيَّة أيضًا، ترسيخها لقيمة الصبر، فالفترة المكيَّة من الدعوة الإسلاميَّة لم تكن سهلةً، بل كانت مليئة بالابتلاءات والضغوط، ومع ذلك كانت مدرسة عظيمة في الثبات على المبادئ، هذا الصبر لم يكن ضعفًا، بل قوَّة أخلاقيَّة راقية تعلِّم الإنسان كيف يتمسَّك بالحق حتَّى في أصعب الظروف، وفي عالم اليوم، حيث تتسارع التغيُّرات وتتعاظم التحدِّيات، تظل هذه القيمة واحدةً من أهم ما يحتاجه الإنسان للحفاظ على توازنه واستقراره.
كما تتجلَّى القيمُ المكيَّةُ في التَّسامح والعفوِ، وهي قيم ظهرت بوضوحٍ في تعامل النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- مع مَن أساء إليه، فقد كان العفو عند المقدرةِ سمةً بارزةً، تعكس عمق الرسالة التي لا تقوم على الانتقام، بل على إصلاح الإنسان، وهذه القيم تمثِّل اليوم ركيزةً أساسيَّةً في بناء المجتمعات المتسامحة التي تقبل الآخر وتحتضن التنوُّع.
ولا يمكن الحديث عن القيم المكيَّة دون التطرق إلى قيمة الأمانة، التي كانت من الصِّفات التي عُرف بها النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- حتَّى قبل البعثة، حيث لُقِّب بالصَّادق الأمين، هذه القيمة تمثِّل حجر الأساس في أيِّ مجتمع يسعَى إلى التَّنمية والاستقرار، إذ لا يمكن بناء اقتصادٍ قويٍّ أو مؤسساتٍ ناجحةٍ دون الثقة المتبادلة بين أفراده، ومن أهم القيم المكيَّة إكرامُ الضيف متمثِّلًا في إكرامهم لحجَّاج بيت الله، والمعتمرِينَ فكانت لهم الرفادة والسِّقاية.
وتبرز كذلك قيمة المساواة، التي ألغت الفوارق القائمة على النَّسب أو المَال، وأكَّدت أنَّ التفاضل بين الناس يكون بالتَّقوى والعمل الصَّالح، لقد جاءت الرسالة المكيَّة لتعلن أنَّ الإنسان يُقَاس بإنسانيَّته وأخلاقه، لا بانتمائه أو مكانته الاجتماعيَّة، وهو مبدأ إنسانيٌّ عالميٌّ ينسجم مع أرقى القيم الحديثة في حقوق الإنسان.
وفي سياق متِّصل، نجد أنِّ القيم المكيَّة تعزِّز روح المسؤوليَّة الفرديَّة، حيث يتحمَّل كل إنسان مسؤوليَّة أفعاله أمام الله، والمجتمع، هذه المسؤوليَّة تخلقُ إنسانًا واعيًا بدوره، يسعى للإصلاح والمساهمة في بناء مجتمعه، بدلًا من الاتِّكاليَّة أو إلقاء اللَّوم على الآخرِينَ.
واليوم، ومع ما تشهده المملكة من تحوُّلات كُبرى في ظلِّ رُؤية 2030، تعود القيم المكيَّة لتكون مرجعيَّة أساسيَّة في تحقيق التوازن بين التطور الماديِّ والارتقاء الأخلاقيِّ، فالتنمية الحقيقيَّة لا تكتمل إلَّا حين تستند إلى منظومة قيميَّة راسخة، تحفظ الهويَّة وتعزِّز الانتماء.
إنَّ القيم المكية ليست مجرد إرث تاريخي، بل هي مشروع إنساني متجدد، يحمل في طياته حلولًا لكثير من تحديات العصر، وإذا أحسنَّا استحضار هذه القيم في حياتنا اليوميَّة، فإنَّنا لا نحافظ فقط على هويتنا، بل نساهم في تقديم نموذج حضاريٍّ متكامل للعالم، يقوم على العدل، والرحمة، والإنسانيَّة.


