فكرةُ «التكرارِ الأبديِّ» للحياة عند «نيتشه»، كما طرحها في «هكذا تكلَّم زرادشت»، تتخيَّل تجربةً وجوديَّةً كحدثٍ افتراضيٍّ، وهي: هَب أنَّ حياتك، بكلِّ تفاصيلها، ستتكرَّر كما هي عددًا لا نهائيًّا من المرَّات، بِلَا أيِّ تغييرٍ في ترتيب الأحداث أو نوعها.
يتخيَّل (نيتشه) شيطانًا يقول لك: ستعيشُ هذه الحياة نفسَهَا، بكلِّ ألمِهَا وفرحِهَا، بكلِّ القراراتِ والنَّدم والصُّدف، إلى الأبد، دون أيِّ اختلافٍ، عددًا لا نهائيًّا من المرات، أي «العود الأبدي لنفس الشَّيء»، فهل تقبلُ هذا من أعماقِ قلبِكَ أم ترفضُه؟ هل توافقُ على تكرارِ جميع تجاربِكَ وخبراتِكَ بما تحويه من أفراحٍ وأحزانٍ، ومن هزائمَ وانتصاراتٍ، وأخطاءٍ وخيباتِ أملٍ؟ حتى الأشخاص هم الأشخاص، فقطْ تخيَّل هذا وقرِّر.
إنَّ قبولَ «التكرار الأبدي» يعني: أنْ تقولَ: «نعم» ليس للَّحظات التي تحبُّها فحسب، بل أيضًا لتلك التي تكرهُهَا؛ لأنَّ رفض بعض من حياتِك يعني رفضًا لكلِّ السلسلةِ، ومن ثمَّ رفضًا لذاتِك نفسِهَا.
تضعنا هذه الفكرة أمام بُعدٍ وجوديٍّ حَرِجٍ، بحيث يكشف قولك: «لا»، الخوف من لعنة أبديَّة لا يمكن احتمالُهَا، وهذا يعني أنَّك لستَ متصالحًا مع حياتِك التي تعيشُها، ولا يمكنُكَ الرِّضا عنها رضا يلزمك بها إلى الأبد. أمَّا إِذا أُعجبت بالفكرةِ، واستطعت في أعماقِكَ أنْ تقولَ: «نعم»، فقد تصالحت معَ ذاتِك وحياتِك وتكرارِها للأبد عن طيبِ خاطرٍ دونَ نفورٍ.
بهذا الامتحان «الشيطانيِّ» يريد (نيتشه) تحويل «العَوَد الأبديِّ» من حياةٍ نراها خطأً يجب محوه، إلى حياةٍ نحبُّ أقدارَنا فيهَا، بكل تناقضاتِهَا، ونرغب في عودتِهَا كمَا هِي، لا بوصفِنَا ضحايَا لهَا، بل شركاء في صياغتِهَا. عندئذٍ يغدو «التكرار الأبدي» معيارًا لجودةِ الحياةِ: فالحياة الجيدة ليست المريحة، أو الناجحة فحسبْ، بل تلك التي يمكنُنَا تكرارَهَا.
بهذا المعنى، تصبح الفكرةُ سلاحًا ضدَّ العدميَّة، وَوَهَم «الخلاص القادم»، أو «المخلِّص» الذي سيصلحُ لاحقًا كلَّ شيءٍ فَسَدَ؛ وبهذه الفكرة، لا جدوى من الرِّهان على غدٍ غامضٍ، إذ تغدُو كل لحظةٍ عابرةٍ أبديَّة، وكلُّ قرارٍ -مهمَا بَدَا تافهًا- سيعودُ ليصير امتحانًا لمسؤوليَّة لا نهائيَّة، إلى أنْ يقدر الإنسان على النَّظر إلى حياتِهِ بكل تناقضاتِها، ويقول: أريدُها من جديدٍ، كما هِيَ، وإلى الأبدِ!.


