بعد انتهاء المرحلةِ المدرسيَّة، يُغفِلُ معظمُنَا أهميَّة مادَّتَي الجغرافيا والتاريخ، على الرغم من أنَّهما من أهم مقوِّمات الثقافة، وفهم حياتنا المعاصرة. فضلًا تأمُّل أهميَّة المضائق المائيَّة حول العالم، وستجد بعض الحقائق المُذهلة، وما أكثر الأمثلة على ذلك.
في مطلع الحرب العالميَّة الأُولَى كانت أهميَّة القمح الإستراتيجيَّة تعادلُ أهميَّة البترول اليوم. المُصدِّر الأوَّل للعالم بأكمله كانت روسيا، والدَّولة المستورِدة الأُولَى عالميًّا كانت بريطانيا، وكانَا أكبر الحلفاء في الحرب العالميَّة ضد إمبراطوريَّات ألمانيا، والعثمانيِّين، والنَّمسا، وبلغاريا. والمعبر الأساسُ لمسار تلك السِّلعة كان عبر البحر الأسود، إلى البحر الأبيض المتوسط، من خلال مضيقَي «الدرندريل»، و»البسفور» اللَّذين يقعَان في أراضي تركيا. وقرَّر وزير البحريَّة البريطانيَّة -آنذاك- «ونستون تشرتشل» أنْ تدخل البحريَّة الملكيَّة في مجموعة معارك؛ لفكِّ «الزَّنقة»؛ بسبب تحكُّم تركيا في المضيقَينِ. كانت بريطانيا هي الأقوى عالميًّا بحرًا، ولكن جيشها لم يكن الأقوى، ولذا فتمَّت الاستعانة بجنود من أستراليا ونيوزيلندا. استخدمت تلك القوات لدعم احتلال شواطئ تركيَّة في شبه جزيرة «جاليبولي»؛ لتأمين عبور السُّفن المحمَّلة بالقمح عبر المضيقَين. لم يستوعب صانُعو القرار البريطانيُّون السَّوابق التاريخيَّة، فوقعت كارثة عسكريَّة. قُتل في معاركها أكثر من نصف مليونِ جنديٍّ من الأطراف المُتحاربة خلال 1915. وكانت من أكبر الصِّراعات المكلِّفة في الحرب العالميَّة الأُولَى. ولم يتَّعظ تشرتشل بالأمثلة التاريخيَّة من معارك خليج «سوشيما»، الذي يفصل اليابان وكوريا عام 1905، والذي تسبَّب في هزيمة روسيا بأكملها أمام اليابان.
بعد تلك الكارثة الإستراتيجيَّة بسنواتٍ، تكرَّرت محاولات الاستيلاء الفاشل على أحد أهم المضائق المائيَّة في عمليَّة «الفرسان الثلاثة». وكان ذلك هو الاسم الحركي للعدوان الثلاثيِّ الفاشل على مصرَ الشَّقيقة في أكتوبر 1956. تلخَّصت العمليَّة في مسرحيَّة بدأت بالهجوم الإسرائيليِّ على سيناء، ثمَّ الزَّحف شرقًا للاستيلاء على قناة السويس، وكان ذلك تمهيدًا لتدخُّل قوات بريطانيا وفرنسا؛ لضمان حريَّة الملاحة في القناة ضمن المسرحيَّة. وبعكس توقُّعات المعتدِينَ، كانت المقاومة المصريَّة قويَّةً، وتدخَّلت المملكة العربيَّة السعوديَّة، ومجموعة من البلدان العربيَّة النَّبيلة بجانب مصرَ. وفشل العدوان -بتوفيق الله-، ثمَّ صلابة ردع مصر، والدعم العربيِّ، وتدخُّل روسيا والولايات المتحدة؛ لردع العدوان.
يواجه العالم اليوم تحدِّيات التحكُّم في مجموعة مضائق، وأولها مضيق «هرمز»، الذي يمرُّ عبره أكثر من ربع النفط إلى الأسواق العالميَّة، ومضيق باب المندب على بوابة البحر الأحمر، وهناك أيضًا مضيق «مالاكا»، الذي يُعتبر «دهليز» الدُّخول إلى بحر الصِّين، ويوفِّر -بمشيئةِ اللهِ- بوابةَ استيرادِ النفطِ إلى الصين. ويمثِّل ذلك المضيقُ بوابة التَّصدير لمنتجات الصين للعالم. وهناك أيضًا مضيق «تايوان» على الحدود المائيَّة للجزيرة الصينيَّة تايوان، الذي تمرُّ من خلاله أهم الرقائق الإلكترونيَّة للأسواق العالميَّة.
أمنيـــــة
تبقى قضايَا المضائقِ كبيرةً، وقصصُهَا كثيرةً، ولكنَّ ذاكرة العالم بالأهميَّة الجغرافيَّة والتاريخيَّة لتلك الممرَّات المائيَّة الحرجة لا تتناسبُ مع أهميَّتها. وما ذكرتُ أعلاه ليس إلَّا نماذج مختصرة لما شهد العالم من الشَّرق والغرب. أتمنَّى أنْ يكونَ أحدُ متطلَّبات القيادة الإستراتيجيَّة العالميَّة هو الإلمام بأبجديَّات الجغرافيا والتاريخ، والشعور بالمسؤوليَّة، وفوق كل ذلك مخافة الله، وَهُو مِن وراءِ القَصْدِ.


