تحوَّلت وسائل التواصل الاجتماعيِّ إلى ساحة إعلاميَّة مفتوحة، تتيح لكلِّ فردٍ أن يصنع صوته ويُقدِّم رسالته بصورةٍ مؤثِّرة وسريعة الانتشار. ومع هذا التحوُّل، لم يعد الحسابُ الشخصيُّ مساحةً للطَّرح العابر، بل أصبح منصَّةً قادرةً على الإسهام في تشكيل الوعي، ودعم المسيرة المهنيَّة، وتعزيز الحضور في دوائر التَّأثير.
حين يُدار الحسابُ برؤيةٍ واضحةٍ، يتحوَّل إلى قناة إعلاميَّة متكاملة؛ محتوى هادفٍ، ورسائل متَّسقة، وجمهور يتفاعل مع ما يُطرَح ويُعيد نشره. هنا تبدأ القيمة الحقيقيَّة، حيث يصبح لكلِّ منشور دورٌ في بناء صورة ذهنيَّة، وتعزيز الثِّقة، وفتح آفاق جديدة من الفرص المهنيَّة والمعرفيَّة.
التحوُّل نحو هذا النموذج يتطلَّب فهم طبيعة المنصَّات وسرعة تداول المعلومات فيها. الرِّسالة المختصرة، المدعومة بالمعرفة، والقادرة على ملامسة اهتمامات الجمهور، تمتلك فرصةً أكبرَ للوصول والتأثير. كما أنَّ الاستمراريَّة في الطَّرح، والالتزام بجودة المحتوى، يُسهمَان في ترسيخ المصداقيَّة وتحقيق الأثر التراكميِّ.
من النماذج التي تستحقُّ التوقُّف عندها، تجربة الدكتور مطلق القرفي، المتخصِّص في سياسات الصحَّة، حيث استطاع توظيف حسابه في منصَّة (X) لنشر الوعي حول أهميَّة توطين الصِّناعات، خاصَّة في القطاعات الحيويَّة المرتبطة بالصحَّة. قدَّم محتوًى يُسلِّط الضوء على فرص التَّصنيع المحليِّ، وشرح خطوات الحصول على التَّراخيص، واستعرض أوجه الدَّعم التي تُقدِّمها الدَّولة، إلى جانب إبراز دور وزارة الصناعة والثروة المعدنيَّة في تمكين المستثمرِين ودعم المبادرات الصناعيَّة.
هذا النموذج يعكس كيف يمكن للمحتوى المتخصِّص أنْ يجد صداه لدى الجمهور، وأنْ يتحوَّل إلى مصدر معرفة موثوق، يربط بين الخبرة المهنيَّة والاحتياج المجتمعيِّ. التفاعل الذي يُحقِّقه هذا النوع من الطَّرح، يؤكِّد أنَّ الجمهور يبحث عن قيمة حقيقيَّة، وعن محتوى يضيف له معرفةً قابلةً للتطبيق.
المطلوب اليوم يتجاوز الحضور الرقميَّ التقليديَّ، نحو بناء منصَّات شخصيَّة تحمل رسالة، وتواكب التحوُّلات الإعلاميَّة المتسارعة. الحساب الذي يُدار بعقلية إعلاميَّة واعية؛ قادر على أنْ يكون أداة للتأثير، وجسرًا لنقل المعرفة، ومساحة لصناعة الأثر. هنا تتجلَّى أهميَّة توجيه المحتوى نحو ما يخدم المجتمع، ويُعزِّز الوعي، ويدعم مسارات التنمية.


