في إحدى المدن الأوروبيَّة، خصَّصُوا ركنًا في الشارع لكلِّ ما يفيضُ عن الحاجةِ، من ملابسَ وأجهزةٍ مختلفةٍ، وكتبٍ، وأثاثٍ، وغيره، مصحوبًا بلوحةٍ كُتب عليها: «مجانًا لمن يحتاج».
هذه المبادرة الحضاريَّة تستدعي منا التفكير الجاد في كيفيَّة التخلُّص من الأشياء التي تفيض عن الحاجة، وتوفيرها لحياة الآخرِينَ.
إنَّه التطبيقُ العمليُّ لكلِّ معاني الإيثار والتكافل التي يحثُّنا عليها ديننا الحنيف. إنَّه النسيجُ الاجتماعيُّ الذي يُشعرنا بحاجة الآخرِين لنكون المجتمع المترابط الذي يبدُو كالجسدِ الواحدِ، إذَا اشتكَى منهُ عضوٌ تَدَاعَى لهُ سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى.
إنَّه يمثِّل قمَّة الرقيِّ والوعي، واللهُ دومًا في عونِ العبدِ، ما دامَ العبدُ في عونِ أخيهِ.
يقول أحدُ الزملاء الذي تَعوَّد على المشي في الكورنيش، حاملًا معه بعض النقود لتوزيعها على عمََال النظافة، وهم من جنسيَّة محدَّدة، ويرتدُونَ ملابسَ واحدةً، وبأشكالٍ متشابهةٍ، فيخطئ أحيانًا في التعرُّف على بعضِهم، ويقدِّم لهم صدقتهُ، ولكنَّه وجد أنَّ مَن استفاد قد استلم منه قبل قليل، وأنَّه يفضِّل أنْ تُعطَى لزميلٍ لهم كان منشغلًا، ولم يشمله العطاء، حيث كان منشغلًا بنظافة دورة المياه.
يبادر زميلنا بالعطاء، ويثني على الإيثار الذي يتميَّز به البعضُ. إنَّه الشعورُ الإنسانيُّ النبيلُ بأنْ لا يأخذ أكثر من حاجته؛ لأنَّ غيره لم ينل شيئًا من العطاء.
والشيء بالشيء يُذكر عن ما تعانيه معظم الجمعيَّات الخيريَّة في بلادنا، التي تتولَّى رعاية المحتاجين من الطلبات غير المقنَّنة، فيبادر بعضهم إلى تقديم طلبه، واذا توفرت فيه شروط المساعدة يتقدَّم إلى جمعيَّة أُخْرى وأُخْرى، فينال نصيبه ويأخذ نصيب الآخرِينَ.
ولمعالجة هذا الوضع المتكرِّر، لا بُدَّ من الرَّبط الإلكترونيِّ بين الجمعيَّات في كل محافظة على حِدَة، ومن خلال رقم الهويَّة الوطنيَّة؛ يمكن معالجة ما يحدث بين الجمعيَّات من تكرار لمستفيد على حساب مستفيدين آخرِينَ في ظل محدوديَّة المخصصات الماليَّة.
إذًا علينا أنْ نعمِّق مفهوم ثقافة الاستغناء بيننا، والرِّضا بما قسمَه اللهُ أيًّا كانَ قدرهُ.
وعودًا على ما بدأنَا، أودُّ التذكير بضرورةِ التفتيشِ في زوايا البيت للتخلُّص من الفائض، فما تراه عبئًا قد يراه غيرك أمنيةً.


