Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سعود كاتب

هل تهم الأخلاق حقًا؟.. قراءة في السياسة زمن الحروب

A A
هل للأخلاق مكانٌ في زمن الحرب؟ سؤالٌ يتجدَّد مع كل أزمة، ويعود اليوم بإلحاح شديد مع ما تشهده منطقتنا من صراع محتدم، تتداخل فيه السردِّيات، وتتسابق فيه الأطرافُ على كسب المعركة في الميدان كما في الوعي. في هذا السِّياق، يقدِّم كتاب (هل الأخلاق مهمَّة؟) «?Do Morals Matter» للمفكِّر الأمريكيِّ جوزيف ناي، إطارًا تحليليًّا بالغ الأهميَّة، لفهم العلاقة المعقَّدة بين الأخلاق والمصلحة في السياسة الخارجيَّة.

ينطلق «ناي» من رفض الثنائيَّة المبسَّطة التي تختزل السياسة في خيارين: إمَّا أخلاق مثاليَّة، أو واقعيَّة مصلحيَّة. ويطرح بدلًا من ذلك مقاربة أكثر توازنًا تقوم على أنَّ القادة لا يتجاهلُونَ الأخلاق، بل يعيدُونَ تعريف «المصلحة الوطنيَّة» في ضوئها. فالمشكلة ليست في وجود الأخلاق أو غيابها، بل في كيفيَّة توظيفها ضمن حسابات القوَّة.

ولأجل تقييم هذا التوظيف، يقترح «ناي» ثلاثيَّة واضحة تشمل: النَّوايا، الوسائل، والنتائج. فالنوايا وحدها لا تكفي، إذ قد تنحرف السياسات المبنيَّة على أهداف «نبيلة» إذا استندت إلى وسائل غير مشروعة. كما تظل النتائجُ هي الحكم النهائي: هل أدَّى القرار إلى استقرار أكبر، أم إلى فوضى أوسع؟ هذه المعايير الثلاثة تتيح لنا قراءة السِّياسة الدوليَّة، بعيدًا عن التبريرات الخطابيَّة، أو الأحكام الانفعاليَّة.

الأهم في أطروحة «ناي» هو ربطه بين الأخلاق و»القوة النَّاعمة»، فالدول لا تُقاس فقط بقدراتها العسكريَّة، بل أيضًا بمدى مصداقيتها وجاذبيَّة نموذجها، والمصداقيَّة هنا ليست قيمة معنويَّة فحسب، بل أصل إستراتيجي هام. وعندما تتآكل هذه المصداقيَّة -بفعل الكذب الممنهج، والتناقض بين الخطاب والممارسة- تضعف قدرة الدولة على بناء التحالفات، ويصبح الرَّدع أقل فاعليَّة.

في ضوء هذا الإطار، قد يسارع البعض لاستدعاء مقولات شائعة مثل: «الحرب خدعة»، أو «نصف الحرب دهولة»، أو «لا أخلاق في السِّياسة». نعم، الخداع التكتيكي جزءٌ من تاريخ الحروب، وهو في حدوده العسكريَّة الضيِّقة قد يكون مشروعًا، لكن تحويله إلى منهج يشمل تعمُّد تضليل الرَّأي العام وتقويض الحقائق، ينقلنا من «الخداع المشروع» إلى امتهان «الكذب الإستراتيجيِّ»، الذي يرتد سلبًا على أصحابه. فالمبالغة في التَّضليل والكَذب قد تحقق مكاسبَ آنيَّةً، لكنها تُفقد الدولة رصيدها من الثقة والاحترام على المدى الطويل.

هذا ما يفسِّر أيضًا الجدل حول ممارسات بعض القادة، مثل الرئيس «ترمب»، حيث أظهرت التجربة أنَّ كثافة تصريحاته التي تفتقر للباقة، وللدبلوماسيَّة، وتتَّسم بالتَّناقض وعدم الدقَّة، قد تمنحه تفوُّقًا إعلاميًّا مؤقَّتًا، لكنَّها تُربك الحلفاء وتنفِّرهم، وتُضعف الثِّقة، وتشوِّش الإشارات الإستراتيجيَّة.. وفي عالم يعتمد على وضوح الإشارات بقدر اعتماده على أدوات القوَّة، يصبح الغموضُ المفرطُ عبئًا لا ميزة.

أمَّا في واقعنا الإقليميِّ الرَّاهن، فإنَّ الحرب الدائرة لا تُخاض بالسِّلاح فقط، بل بالرِّواية أيضًا. حيث يسعى كل طرف إلى تأطير أفعاله أخلاقيًّا، سواء عبر خطاب الدِّفاع عن النَّفس، أو حماية المدنيِّين، أو استعادة الحقوق. غير أنَّ التحدِّي الحقيقيَّ يكمن في اختبار هذه الادِّعاءات وفق معايير «ناي».. هل الوسائل المستخدمة متَّسقة مع هذه القيم؟ وهل النتائج تقلل المعاناة أم تضاعفها؟ وهل تحلُّ المشكلات أم تفاقمها؟ هنا تتكشَّف الفجوة بين الخطاب والممارسة، وهي الفجوة التي تحدِّد في النهاية مَن يكسب «المعركة الأخلاقيَّة»، وهي بالمناسبة لا تقلُّ أهميَّةً عن المعركة العسكريَّة.

خلاصة القول، السياسة والحرب ليستا خارج نطاق الأخلاق، كما أنهما ليستا خاضعتين لها بالكامل، بل هما ساحة تفاعل دائم بين القيم والمصالح. صحيح أنَّ الدول قد تحقِّق نجاحات بالقوَّة الصلبة، لكن هذه القوة وحدها لا تكفي لمنحها القيادة، أو التَّأثير، أو الاحترام الدوليَّ، ما لم تقترن بالمصداقيَّة، وترتكز إلى قاعدة واضحة من القِيم والأخلاقِ المتعارفِ عليهَا.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store