Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. صالح عبدالعزيز الكريّم

مقاومة الشيخوخة بالتفاؤل والتأمل

A A
المقصودُ بالتفاؤلِ، العيشُ في جوِّ المشاعرِ الايجابيَّة، والمقصودُ بالتأمُّل إعادة برمجة العقل؛ لتصفية الذِّهن من الملوِّثات الحياتيَّة؛ لزيادة الهدوء الداخليِّ في النَّفس، هذان العاملَان ثبت علميًّا أنَّهمَا من العوامل المؤثِّرة في الإطالة البيولوجيَّة للعمر، ومقاومة الشيخوخة، وإبطاء تسرُّعها على الخلايا، ذكرتُ سابقًا أنَّ الأساس في صحَّة الخلايا تكوينها الوراثيِّ، وهو الأساس، وتشير الأبحاث الحديثة إلى إمكانيَّة الحد من تفعيل الجينات، بما عُرف بما هو فوق الوراثة (يمكن مراجعة مقالي «الوراثة وما فوق الوراثة») وما فوق الوراثة تنحصرُ تحديدًا في أنماط الحياة الخمسة، وقد كتبتُ عنها بإسهابٍ وهي: «النَّوم، الغِذاء، الرِّياضة، العلاقَات الاجتماعيَّة، الرَّاحة النفسيَّة»، يؤثِّر في الرَّاحة النفسيَّة عدَّةُ عوامل، منها عاملا التَّفاؤل (المشاعر الإيجابيَّة)، والتَّأمل (الصفاء الذهنيُّ).

اطَّلعتُ على دراساتٍ وأبحاثٍ حديثة تؤكِّد بيولوجيًّا تأثيرهما على التلوميرات المسؤولة عن شيخوخة الخلايا، وتطويل عمرها البيولوجيِّ، وأنَّهما سرٌّ من أسرار طول العمر عند المعمِّرِين، من تلك الدِّراسات دراسة بحثيَّة في بريطانيا، أوضحت أنَّ أصحاب التمتُّع بمشاعر إيجابيَّة، ومتفائلة في الحياة، والذين يشعرُون دائمًا بالامتنان، وعدم التشكِّي، أو الاستياء، عاشوا أعمارًا إلى التسعينيَّات من عمرهم، وكانت لديهم مقاومة بيولوجيَّة للشيخوخة، مقارنةً بالذِينَ يعانُون من التَّشاؤم والنَّظرة السلبيَّة للحياة، وظهرت عليهم الشيخوخة مبكِّرًا، كما ثبت -بالإضافة إلى التفاؤل- أنَّ مقاومة الشيخوخة، وعدم تسارع ظهورها مع مرور الوقت مبكِّرًا في الخلايا تتأثَّر بالتأمُّل meditation، ويقصد به الممارسة الذهنيَّة والجسديَّة التي تهدف إلى تهدئة العقل، وتركيز الانتباه، وتحقيق الاسترخاء عبر الأفكار الداخليَّة، وعدم القلق والانزعاج، أو ما يُعبَّر عنه بالمصطلح القرآنيِّ بصلاح البال (وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)، عبر تفكيرِ الإنسانِ وتأمُّلهِ فيما حولَه؛ ممَّا يُضفِي على النَّفس البشريَّة الارتياح، ويجعلها أكثر راحةً وسعادةً.

إنَّ إحدى أدوات التأمل، هو التأمل في ملكوت الله ممَّا خلق في السموات والأرض والنجوم والكواكب، وما انتشر في الكون من جماليات صنع الله وإبداعه، وكيف أنَّ هذا الكون متناغمٌ منتظمٌ لا اللَّيلُ يسبقُ النَّهارَ، وَلَا الشَّمسُ تدركُ القمرَ، وكلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، كل ذلك التأمُّل تذهب حصيلته إلى الذهن والعقل والجسم، فيكون سببًا في تعديل المزاج، وراحة النَّفس ممَّا ينعكس على الخلايا، فيثبط التيلوميرات المسؤولة عن شيخوختها، وبالتالي عدم تسارع ظهورها مع مرور الوقت.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store