Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

التقسيط... شراءٌ من الوجع!

A A
في الوقت الذي تتوسَّع فيه الحلولُ الماليَّة، وتتنوَّع أدواتُ الشِّراء المُيسَّر، ويُطرَح التَّقسيط كخيارٍ ذكيٍّ يمنح الأفراد مرونةً في تلبية احتياجاتهم، يبقى المستهلكُ أسيرَ التزاماتِهِ المتراكمةِ، فلا يجد من دخله ما يكفيه، ليس لأنَّه اشترَى أكثر، بل لأنَّه اشترى في أوقاتٍ لم يكن الشراءُ فيها حاجة، بل استجابة لوجعٍ مقبلٍ.

وإلى أنْ يستوعب الفردُ، الفارقَ بين «القُدرة على الدَّفع» والحاجة الفعليَّة، يظلُّ واقعًا في دائرة أقساط متلاحقةٍ لا تنتهي، من سدادٍ من سابقٍ إلى لاحقٍ؟! لأنَّ ما دُفع لم يكن ثمنًا لاحتياج، بل محاولة لتخفيف شعورٍ عابرٍ.

حجَّة المستخدِم أنَّه لا يخالفُ نظامًا، وأنَّ كلَّ عمليَّة شراء مبرَّرة بظرفِهَا، لكنَّ الحقيقة أنَّ هذه العمليَّات المتفرِّقة تشكِّل عبئًا واحدًا يتنامى بصمتٍ حتى يُقيِّد جزءًا كبيرًا من الدَّخل دون أنْ يُرى دفعةً واحدةً، وهنا يتحوَّل التَّقسيطُ من وسيلةِ شراءٍ إلى وسيلةِ تأجيلٍ.

وإذا كانت ثقافة «كم القسط؟» قد طغت على سؤال: هل أحتاجُ؟ فالسؤالُ الأعمقُ: هل نشترِي ما نحتاجُه أم نشترِي ما يخفِّف عنَّا لحظةً لا أكثرَ؟

في مثل هذه الحالة، لمَن يلجأُ الفردُ؟ هل يعيد جدولة التزاماتِهِ؟ أم يبحث عن مخرجٍ مؤقَّتٍ يزيد التَّعقيد بدل أنْ يحلَّه؟

لأنَّ ما بدأ كحلٍّ، انتهى كالتزامٍ، وما كان تخفيفًا أصبح ثِقلًا.

وهل يصل الحالُ إلى أنْ يعيشَ الفردُ في حالةِ «سداد مقابل سداد»؟ يغطِّي قسطًا بقسطٍ، ويؤجِّل استحقاقًا بآخرَ حتَّى يفقدَ القدرةَ على الادِّخار، أو مواجهة الطوارئ؟ و»الأخطرُ الموجعُ» خسارةُ الفرصِ التي لم تُستثمر، والقرارات التي لم تُتَّخذ، والمرونة التي تلاشت تحت ضغط الالتزاماتِ.

ومع اتِّساع العروض التسويقيَّة، وسهولة الوصول إلى المنتجات، تتعزَّز نزعة الاستهلاك الفوريِّ، حيث يصبحُ الحصولُ أسرعَ من التفكيرِ، والقرار أقرب من المراجعةِ في بيئة تدفع نحو الإضافةِ لا الاكتفاءِ.

نحن اليوم أمامَ تعدُّد الجهاتِ المانحةِ لخدمات التَّقسيط، وتنوُّع «التَّطبيقات» التي تتيح الشِّراء بضغطةِ زرٍ... ما جعل الالتزام أسهلَ في بدايته، وأثقلَ في مآلهِ؛ لأنَّ تعدُّد المصادر يخفي الصورة الكاملة للالتزامات المتراكمة.

وإلى أنْ يتحوَّل الوعيُ الماليُّ إلى سلوكٍ يوميٍّ، سيبقى التَّقسيطُ أداةً حياديَّةً، يحدِّد أثرها طريقة استخدامها، لا وجودها.

* نقطة تحت السطر:

التَّقسيطُ لا يصنعُ الأزمةَ، الاستسهالُ هُو مَن يديرُهَا.

التَّقسيطُ يفتحُ الأبوابَ، والاستسهالُ يتركُهَا بلا مخرَجٍ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store