هذه البحيرات المؤقتة، بصفاء مياهها تحت غمام السماء، لم تكن مجرد ظاهرة عابرة، بل استدعت إلى الأذهان صورة الجزيرة العربية قبل آلاف السنين؛ حين كانت أرضاً خصبة تفيض بالأنهار والمراعي. وكما وصفها الباحث في التراث والآثار سعد بن هميل بن قطنان بقوله:
"يعيدنا مشهد البحيرات المتلألئة بين كثبان عِرق سبيع إلى طبيعة المنطقة في حقب ما قبل التاريخ، مستحضراً ملامح الجزيرة العربية الخضراء كما كانت منذ آلاف السنين".
"عرق سبيع.. شهادة حية على الماضي الأخضر"
لا يعد عِرق سبيع مجرد تجمع للكثبان الرملية، بل هو جزء حيوي من تضاريس وادي رنية العظيم، الذي يمتد من مرتفعات غامد نزولاً حتى يلتقي بوادي بيشة منحدراً بأتجاه ووادي الدواسر. ومع الهطولات الاستثنائية الأخيرة، تحولت المنخفضات بين الكثبان إلى أحواض مائية طبيعية تعكس زرقة السماء، وكأن المنطقة تعيش لحظة "استرداد للتاريخ".
هذا المشهد يمثل تذكيراً واقعياً بحقبة "الجزيرة العربية الخضراء" (Green Arabia) التي سادت خلال فترة الهولوسين الرطبة (بين 11.000 و5.500 سنة مضت). في ذلك العصر، كانت الأمطار الموسمية أقوى بكثير، مما حول الصحاري الحالية إلى جنات من البحيرات والغابات التي ضجت بالحياة.
دلائل علمية: الجزيرة كانت أرض البحيرات
تتفق هذه الظاهرة مع ما أثبتته الدراسات الجيولوجية والأثرية حول وجود عشرات البحيرات القديمة (Paleolakes) في أرجاء شبه الجزيرة:
• صحراء النفود: كشفت الدراسات في منطقة "جبة" عن بحيرات قديمة وصلت أعماقها لعشرات الأمتار، محاطة ببيئة عشبية كثيفة.
• الربع الخالي: وُجدت آثار بحيرة "مُندفان" التي امتدت على مساحة 50 كيلومتراً مربعاً بعمق يصل لـ 10 أمتار خلال مطلع الهولوسين.
• شمال الجزيرة: سجلت منطقة "تيماء" وجود مياه عذبة دائمة قبل حوالي 8.000 عام.
كما أظهرت نتائج "مشروع الجزيرة العربية الخضراء" وجود أدوات حجرية ونقوش صخرية لحيوانات الرعي كالأبقار والغزلان، مما يؤكد استيطان الإنسان لهذه البيئات المطيرة. بل إن تحليلات هيئة التراث لترسبات الكهوف في "دحول الصمان" أثبتت أن دورات الاخضرار هذه تكررت عبر ملايين السنين.
ما وراء المشهد: رسالة للمستقبل.
إن البحيرات المؤقتة في عِرق سبيع ليست مجرد "لقطة جمالية"، بل هي درس في التغير المناخي والتراث الطبيعي. تذكرنا هذه المشاهد بأن الصحراء ليست حالة أبدية، بل هي جزء من دورات مناخية كبرى. كما تسلط الضوء على الأهمية الجيولوجية والأثرية لوادي رنية وعِرق سبيع كأرشيف طبيعي ثمين.
في وقت ينصب فيه اهتمام العالم على المناخ، تهمس لنا هذه البحيرات بأن الجزيرة العربية تحمل في جيناتها الجيولوجية بذور الخصوبة. ربما كان هذا الفيضان الموسمي لمحة عابرة من الماضي، لكنه يفتح آفاقاً للتفكير في مستقبل أكثر استدامة واخضراراً.
عِرق سبيع اليوم يروي فصلاً من قصة الجزيرة الخضراء.. فهل نستعد لقراءتها؟


