في البداية وجّه الدكتور عبدالمحسن الشكر للأستاذة غادة صلاح الدين على دعوتها، وقال: أعرف أن هذا الكتاب أخبرتني عنه الدكتورة "ملحة العبدالله" قبل أن يتم تنظيم هذه الأمسية، وقالت: إنني قرأت الكتاب وأريد أن أناقشه، وكانت تظن أن أضع أسبوعية في بيتي لمناقشته، وإذا بالأستاذة غادة تسبقني إلى ذلك، ولها الحق في هذا السبق. وأضاف: وما عساي أن أقول في ليلة تجمعكم إن تحدثت عن الأستاذ حامد الشريف؟ فشهادتي فيه مجروحة لما بيننا من حبٍّ وتتبع، وهو دائمًا يزيدُني بكل ما يكتب، وما يقرأ، وما يؤلف. فهذه الكتابات التي رأيتها قرأت منها ما وقع تحت يدي، سواء كان «جريمة دبي» أو «هنا القاهرة» أو «قلوبٌ قاتلة»؛ فهذه وغيرها من المؤلفات سآتي عليها، وأخصّ «كي تصبح مبدعًا»؛ لأن هذا المساء سيتناول هذا الكتاب.
وعرج د. القحطاني على رواية «جريمة دبي» قائلا: كانت في "الأسبوعية"، وحضرها مجموعة ناقشوها، على رأسهم البروفيسور أحمد فرحات، ومعه ثلّة من القامات التي لم تحضر هذا المساء، وتحدثتُ عنه، و«هنا القاهرة»، ومنهم من قال إنها رواية تاريخية أو مجموعة قصص قصيرة. ثم قرأت كتاب «كي أصبح مبدعًا»؛ النسخة لم تكن معي في القاهرة، وحقيقةً استعرتها من الأستاذة غادة صلاح قبل ثلاثة أيام، وعكفت على قراءتها حرفًا حرفًا. لم يكن اطلاعًا لآخذ منها، والسبب في ذلك أن «كي تصبح مبدعًا» خُلِقَ مع السؤال؛ فهي تطرح أسئلة وتبتعد عن الأجوبة، فالسؤال -كما تعرفون- هو المُزكّي والمحرّك الحقيقي لأي عمل يُراد أن يُفْطن إليه ويُنتبه كذلك. فإذاً هذا الكتاب الذي طرح أسئلة وضعها في عناوين، والعناوين أثارتني بعضها، وسآتي على كلمة المغنين والعود؛ لأنه لم ينسها من كتاب «كي تصبح مبدعًا».
22 عنوانا
واستعرض د. القحطاني العناوين الخاصة بالكتاب وعددها اثنان وعشرون عنوانًا، وقال: فيها عناوين تقليدية -إن صح هذا التعبير- وفيها عناوين ملفتة؛ مثل «شراهة الإبداع»، ومثل «فضول الإبداع» أو «فضول الإبداعية»، ومثل «مصفوفات الإبداعية»، وكلها تدور حول الإبداع. ثم جاء على كلمة التحلّي والتخلّي فيها، وقرأت المقدمة فأثارتني بما كُتب، ولكن بعد هذه المقدمة جاء عنوان كنت أتمنى أن يكون متأخرًا عن الأهداف؛ العنوان الثاني كنت أتمنى أن يكون كذلك؛ لأن الهدف يأتي قبل الإبداع. ما هو الهدف؟ ما هي الأهداف التي نطرحها؟.
الأمر الثاني: أنه قال «التخلّي»، وأول ما تقرأ كلمة التخلّي تظن أن المصطلحين مخاتلان، وتنظر إلى التخلّي على أنه نظرة سلبية وليست إيجابية، فإذا به يقلبها ويسحب البساط من هذه السلبية لتكون إيجابية في الكتاب.
«شراهة الإبداع»!
وأضاف د. عبدالمحسن قائلا: "الشراهة" حينما تحدث عنها؛ أول مدخل وضع شراهة الجسد والثخن وأضرارهما على الصحة العامة، فإذاً قضية الشراهة كانت سلبية ولم تكن إيجابية، فكيف حوّلها إلى إيجابية ووضع «شراهة الإبداع»؟ وشراهة الإبداع مطلوبة؛ لأن الكتاب قام على القلق، والقلق -بمعناه الجميل- لا يمكن أن يُنتج الإنسان عملًا وهو راكد؛ لا بد أن يقلق، فإذا قلق اشتغل، وإذا لم يقلق ويطرح أسئلة ويحاور ويأتي بالأدلة.. لأنه حينما جاء على الشراهة فقد أوجد للإبداع هذا الطلب الذي يجعل الإبداع إيجابيًا بالشراهة.
ثم كذلك الفضول؛ حينما تحدث عنه، فالكتاب -وغير هذا الكتاب- يحمل لغة رائقة فائقة، بل أنيقة، وأسلوبه أسلوب مختلف، لم يركن على التقريرية ولا على سريع الإجابة، وإنما ركن على دفء المعنى -إن صح هذا التعبير- وتوشّح بأجنحة الخيال، وأحسست بدفء هذه الكلمة التي تعطي دَعَةً وراحة.
الشيطان مغرم بالتفاصيل!
وتعرض المحاضر لأسلوب حامد الشريف فقال: الأسلوب الذي يتمتع به الأستاذ حامد الشريف هو الأسلوب الذي عنون له في الكتاب «قضايا صغيرة»، وقال: «إن الشيطان مغرم بالتفاصيل»، وجاء على تفاصيل الأشياء الصغيرة، ويعرف فعلًا أن جميع الكوارث تأتي من مستصغر الشرر؛ فإذاً ما زالت الأمور الصغيرة هي المهمة. فقد لجأ إليها في الحوار والمناقشة والاحتمالات التي ربما تخطر على بال المتلقي أو القارئ، فيضع كل الاحتمالات، سواء كانت احتمالات رباعية أو خماسية أو سداسية، دائمًا يجنح إليها ويذكرها واحدًا تلو الآخر. والحديث طويل، لكن ما أدري كم المدة؟
وأشاد المحاضر بنهج الكاتب في الكتاب قائلا: ثم من أجمل ما رأيته أنه يستعين بالقرآن الكريم في آيات كثيرة ليبدأ توطئةً لما سيقول، وإقناعًا لمن يستقبل. فإذاً بعد هذا القرآن الكريم يأتي بالحديث الشريف، ثم بالشعر والمثل؛ لأنه يريد أن يطعّم، ويأتي في الأخير على ما يقوله سواء علماء الاجتماع أو علماء النفس المعاصرون، وإن كان يجنح أحيانًا إلى أفلاطون وسقراط وغيرهما. وهذه لا توجد في هذه المنطقة من الكتاب، وإنما في الكتاب كله.
أقلقني بقلمه
وأبدى د. القحطاني قلقه من الكتاب فقال: الكتاب هذا الذي نقرأه فعلًا -كما قلت- أقلقني بقلمه، وجعلني -أو سحبني إليه سحبًا- فجئت إليه بالرغبة لا بالرهبة، وجئت إليه بأن أطلع على هذا الكتاب.. وإن كان هذا القلق، ما هو مصيره؟ مصيره أنه أراد أن يكبح جماح الموهبة، وأن يقرّب القلب؛ فالموهبة مكانها القلب، وعنده أن الإبداع مكانه العقل، وفرق بين العقل وبين القلب. وحينما جاء على كلمة الغنى "وقع في المطب"، فما استطاع أن يتخلص من الموهبة؛ لأنه آمن بأنها موهبة، لكن من "جينات" معينة؛ ليست "جينات".. إذ يقول إنها لا تورّث، إذ إن الموهبة لا تورّث، بيد أنها جينات في الشخص، والجينات -كما تعرفون- يرثها الواحد. وكيف يقول إنها ليست مورَّثة فيرث هذه الجينات؟.
فالمهم أن الكتاب، بكل ما يحمل من هذه الطروحات، يأتي -كما قلت وأعيدها وأكررها- مقلقًا للقارئ، ومحفزًا له، ومحرضًا أيضًا على أن يقرأه كاملًا بلا كلل ولا ملل.
وحبَّذا أن تتحول هذه الكتابات العميقة، في معظمها، من الروايات، باختلاف أماكنها وتعدد أسمائها، وفي الرواية نفسها أو في دراسة نقدية تناولتها.
قلوب قاتلة!
وعرج المحاضر أيضًا على رواية حامد الشريف «قلوب قاتلة» فقال عنها: لم يحمل القتل لفرد، وإنما لمجتمع تلذذ بالقتل، وشرّد أبناءه، وغرّد على جثثهم، والرواية وصفت المكان ينبع حواري وأزقة وأمكنة تعطي الذكريات وتزيل الالتباسات، وتخلق فيها دفئًا وتطعمها لذّة القراءة، مع أن رواياته تحتفل بالغموض وتعتمد على المخاتلة، وتتكئ على سحب القراءة؛ لأنه لا يعطي الإجابة أو التقريرية، بل تخطف الأسئلة وتبعد الإجابة.
واستعرض الدكتور القحطاني بعض ملاحظات في صفحات الكتاب أشار إليها بالتفصيل مع ذكر أرقام الصفحات.


