Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد الظفيري

الكذب.. بحثًا عن الترند

A A
في السنوات الأخيرة، انتشرت برامج البودكاست بشكل واسع، حتَّى أصبحت ساحةً مزدحمةً بالأصوات والقصص والتجارب. هذا الانتشار فتح الباب للتنوُّع في الطَّرح، وفي الوقت ذاته أوجد حالةً من التكرار والتَّشابه، حيث تدور العديد من الحلقات حول القضايا ذاتها، بالزَّوايا نفسها، وبأسلوب يركِّز على لفت الانتباه أكثر من تقديم قيمة حقيقيَّة.

اللَّافت أنَّ كثيرًا من هذه البرامج بات يطارد «الترند» عبر استضافة شخصيات تقدم محتوى صادمًا، أو غير منطقي، بهدف إثارة الجدل وتحقيق انتشار سريع. تتحوَّل الحلقة من مساحة حوار إلى منصَّة استعراض، ويغيب العمق لصالح العناوين الجاذبة، والمقاطع القابلة للتداول.

من الأمثلة التي تعكس هذا التوجُّه، ظهور شابَّة في أحد هذه البرامج تتحدَّث بثقةٍ عن حياتها، وتؤكِّد أنَّها لم ترتبط حتى الآن، وترى أنَّ الوقت لم يحن بعد لفكرة الزَّواج. هذا الطرح يلقى رواجًا بين المراهقات، ويُقدَّم كنموذجٍ للتحرُّر والاستقلال. غير أنَّ الواقع مختلف تمامًا، حيث تعيش هذه الشابَّة حياةً زوجيَّةً مستقرَّة، وتخفي هذا الجانب عمدًا، في محاولة لتقديم صورة مغايرة تخدم فكرة معيَّنة.

هنا تتشكَّل الإشكاليَّة الحقيقيَّة؛ حين يتحوَّل المحتوى إلى أداة لتمرير رسائل غير صادقة، وحين يُعاد تشكيل المفاهيم الاجتماعيَّة عبر روايات منقوصة أو مضللة. تقديم نموذج الفتاة العزباء كخيارٍ مفضَّل، مع إخفاء الحقيقة، يخلق فجوةً بين الواقع والصورة المقدَّمة، ويؤثِّر على تصوُّرات المتلقِّين، خاصَّةً صغار السن.

المشكلة لا تقف عند حدود هذه الحالة، حيث يظهر نمط متكرر من الضيوف يعيد إنتاج الأفكار ذاتها، مع اختلاف في الأسلوب فقط. يتغيَّر الوجه، وتبقى الرسالة واحدة: صدمة، جدل، وانتشار.

وسط هذا الزخم، تبرز مسؤوليَّة المستمع. فكل ما يُقال عبر الميكروفون لا يعكس الحقيقة الكاملة، وكل قصة تحمل زاوية واحدة من المشهد. الوعي هنا يصبح خطَّ الدِّفاع الأوَّل.

في النهاية، الاستماع يحتاج إلى عقلٍ ناقدٍ، لا يكتفي بالإعجاب أو الرفض السريع، ويبحث خلف الكلمات، ويفصل بين التجربة الحقيقيَّة والصورة المصنوعة. كن حريصًا في تصديق كلِّ ما تستمع له.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store