منذ نشأتها، كانت المملكة العربيَّة السعوديَّة قويَّةً بحُكَّامها، راسخةً بوفاءِ شعبها، مرَّت عليها عواصفُ، وتعاقبت سنواتٌ ربما كانت قاسيةً، لكنَّها تجاوزتها متماسكةً، يدًا بيدٍ في كلِّ شبر من هذه الأرض المباركة، أرض الحرمَين الشَّريفَين.
وفي العصر الحديث، ومع ما أكرم اللهُ به هذه البلاد من خيراتٍ وثرواتٍ، انطلقت مسيرةُ البناء تحت راية التَّوحيد، التي أسَّسها الملكُ عبدالعزيز -طيَّب اللهُ ثراهُ- لتكون بداية عهدٍ جديدٍ من النَّهضة والاستقرار. واستمر أبناؤه البررةُ على النَّهج ذاته، فامتدَّ خيرُ المملكة؛ ليصل إلى مختلف أنحاء العالم الإسلاميِّ، بل ويتجاوزها إلى كلِّ شعبٍ ألمَّت به محنةٌ، أو أصابتهُ شدَّةٌ.
لم تكن هذه البلاد يومًا أنانيَّةً بما وهبها الله، بل جعلت من العطاء نهجًا، ومن الوقوف مع الآخرِينَ مبدأً ثابتًا.
ولعلَّ القضيَّة الفلسطينيَّة مثالٌ حيٌّ على ذلك؛ فقد ارتبطت في وجدان السعوديِّين -كبارًا وصغارًا- حتَّى أنَّ الطفل كان يقتطعُ من مصروفه دعمًا لهَا، في صورةٍ تُعبِّر عن صدق المشاعر.
كما أسهمت المملكةُ في دعم كثير من الدُّول، وقدَّمت فرص العمل لملايين من أبناء العالم العربيِّ والإسلاميِّ، فكانت بيئةً تحتضنهم بكرم المعاملة، وحُسْنِ العِشْرةِ.
إنَّ التساؤل الذي يفرض نفسه: لماذا تُوجَّه أصابعُ اللَّوم في مواقفَ كثيرةٍ إلى المملكة أوَّلًا، ثمَّ إلى دُول الخليج ثانيًا؟ في حين أنَّ واقع كثيرٍ من الأزمات في المنطقة ارتبط بتدخُّلاتٍ إقليميَّة، أسهمت في تعميق الأزمات، وزعزعة استقرار عددٍ من الدُّول العربيَّة.
وفي مقابل ذلك، لم تُبنَ اقتصاداتٌ مُستدامةٌ، ولم تُوجَّه الموارد لخدمة الشُّعوب؛ بقدر ما استُنزفت في صراعاتٍ أنهكت الأوطان، وأثقلت كاهل الإنسان البسيط.
ومع ذلك، يغفل البعضُ هذه الحقائق، وتبقى سهام اللَّوم موجَّهةً نحو مَن اختار طريق البناء، وسعى إلى الاستقرار، ومدَّ يدَ العون دون انتظار مقابل.
وتبقى خدمة الحرمَين الشَّريفَين، ورعاية الحجَّاج والمعتمرِينَ، من أعظم صور العطاء التي تقدِّمها المملكةُ للعالم الإسلاميِّ، وهي رسالةٌ ساميةٌ تتجاوز كلَّ حساباتٍ ضيِّقةٍ، وتعبِّر عن شرف المكان، وعظمة المسؤوليَّة، وتبقى المملكة ماضيةً في نهجها، قائمةً على الحكمة والتوازن، تسعى إلى البناء والاستقرار، بعيدًا عن منطق الفوضى والدمار، فقيادتها تدرك أنَّ الأوطان لا تبنى بالصراعات، بل بالعمل، ولا تحفظ بالمزايدات، بل بالحكمة.
واليوم، تتواصل مسيرةُ التنمية، ويترسَّخ الأمنُ، في ظلِّ قيادةٍ تشاركُ شعبهَا أفراحه وآماله، ليُشكِّل الجميعُ كيانًا واحدًا متماسكًا، يجمع بين القيادة والشَّعب.
* خاتمة:
ستظلُّ دعوةُ سيِّدنا إبراهيمَ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- خالدةً: «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ»، وستبقى هذه البلادُ -بإذنِ اللهِ- واحةَ أمنٍ واستقرارٍ، وعطاءً متواصلًا.


