بدعوةٍ كريمةٍ من الهيئة الملكيَّة لتطوير مكَّة المكرَّمة، والمشاعر المقدَّسة؛ لحضور لقاءٍ تعريفيٍّ عن الهيئة ومشروعاتها وخططها المستقبليَّة، ورغبة الهيئة في استقطاب الآراء والمقترحات والأفكار عن خطط ومشروعات الهيئة في مكَّة المكرَّمة، والمشاعر المقدَّسة، وبرفقة مجموعة من ذوي الفكر من أهل مكَّة المكرَّمة، شاركتُ مع زميلي معالي الدكتور سهيل قاضي، اللقاء الذي كان في أعلى نقطة من برج السَّاعة بمكَّة المكرَّمة، حيث اطَّلعنا على التَّوسعة الجديدة للحرم المكيِّ، والتطوير العمرانيِّ في مناطق العشوائيَّات على سفوح الجبال. والحقيقة لقد انبهر الجميع بالإنجاز العظيم للدولة السعوديَّة في توسعة الحرمَين، والمناطق المجاورة، والذي يُعتبر هو الأعظم عالميًّا في مجال تطوير المدن.
حيث تمثِّل الهيئة الملكيَّة لمدينة مكَّة المكرَّمة، والمشاعر المقدَّسة أحد أهم المحرِّكات التنمويَّة في المملكة، بدورها الإستراتيجيِّ في إعادة تشكيل البنية العمرانيَّة والاقتصاديَّة للعاصمة المقدَّسة، وبما يتماشى مع مكانتها الدينيَّة العالميَّة، ومستهدَفات رُؤية المملكة 2030، وقد انعكس هذا الدور من خلال إطلاق وتنفيذ حزمة من المشروعات النوعيَّة التي أحدثت تحوُّلًا ملموسًا في جودة الحياة والخدمات.
ومن أبرز هذه المشروعات برنامج الأحياء المطوَّرة، الذي يُعدُّ من أهم المبادرات الإستراتيجيَّة للهيئة، ويستهدف إعادة تأهيل الأحياء غير المنظَّمة وتحويلها إلى بيئات حضريَّة متكاملة؛ تتوافر فيها البنية التحتيَّة الحديثة والخدمات الأساسيَّة، بما يعزِّز جودة الحياة للسكان، ويرتقي بالمشهد الحضريِّ العام.
ويشمل هذا البرنامج تطوير عددٍ من الأحياء داخل مكَّة المكرَّمة ضمن خطط تمتد حتى عام 2030، بما يضمن استدامة التَّنمية وتحقيق التوازن العمرانيِّ.
وفي السياق ذاته، يأتي مشروع تطوير أحياء مكَّة المكرَّمة على مساحة تتجاوز 686 ألف متر مربع، بهدف توفير بيئة سكنيَّة متكاملة ومستدامة، مع تحسين الخدمات والبنية التحتيَّة، وهو ما يعكس توجه الهيئة نحو تطوير المدن القائمة بدلًا من التوسُّع العشوائيِّ.
كما يُعدُّ مشروع بوابة الملك سلمان من أهم المشروعات التي تهدف لإنشاء وجهة حضريَّة، ومعالم بارزة بجوار المسجد الحرام، تتضمَّن مرافق سكنيَّة، ثقافيَّة، وخدميَّة لرفع الطاقة الاستيعابيَّة لاستقبال المصلِّين والزوَّار.
وفي جانب النقل، أشرفت الهيئة على تطوير منظومة متكاملة من خلال مشروع النقل العام في مكَّة (حافلات مكَّة)، الذي يمثِّل نقلةً نوعيَّةً في تحسين التنقُّل داخل المدينة، وتطوير حلول تنقُّل ذكيَّة خاصَّة خلال مواسم الحجِّ والعُمرة، حيث يسهم في تقليل الاعتماد على المركَّبات الخاصَّة، ورفع كفاءة الحركة المروريَّة، ويواكب التحوُّل نحو المدن الذكيَّة.
وفي إطار تحسين جودة الحياة، أطلقت الهيئة مبادرات مجتمعيَّة مثل منصَّة «مكَّة تتطوَّع»، التي تهدف إلى تنظيم العمل التطوعيِّ، وإشراك المجتمع في خدمة ضيوف الرَّحمن، وهو ما يعكس توجُّهًا حديثًا نحو إشراك المجتمع في التنمية.
وعلى الصعيد الاقتصاديِّ، تعمل الهيئة على تطوير محرِّكات اقتصاديَّة جديدة، من خلال تحفيز الاستثمار في قطاعات الضيافة والخدمات، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، بما يدعم النمو الاقتصادي لمكَّة المكرَّمة ويرفع من قدرتها التنافسيَّة كوجهةٍ عالميَّةٍ.
إن هذه المشروعات مجتمعة تعكس نموذجًا تنمويًّا متكاملًا، لا يقتصر على تطوير البنية التحتيَّة فقط، بل يشمل تحسين جودة الحياة، وتعزيز الاستدامة، وتطوير الاقتصاد المحليِّ، بما يجعل مكَّة المكرَّمة نموذجًا عالميًّا لمدينة ذكيَّة مستدامة تجمع بين الأصالة والتحديث.
إنَّ ما تقوم به الهيئة الملكية لمكة المكرمة يتجاوز مفهوم تنفيذ المشروعات التقليدية؛ ليصل إلى إعادة صياغة المشهد الحضري والاقتصادي للمدينة، عبر مشروعات إستراتيجية مدروسة تُسهم في خدمة ملايين الحجَّاج والمعتمرين، وتعزِّز مكانة مكَّة المكرَّمة كواحدةٍ من أهم المُدن في العالم، ليس فقط دينيًّا، بل تنمويًّا وحضريًّا أيضًا.
ومن أهم ما يميِّز الهيئة الملكيَّة لمدينة مكَّة المكرَّمة والمشاعر المقدَّسة هو القائمُون عليها، فالتقيتُ بمجموعةٍ من مختلف التخصصات، فوجدتهم من خيرة المهندسِينَ والاداريِّينَ والمفكرِينَ من الرجال والنساء، يتقدِّمهم الرئيس التنفيذي للهيئة معالي المهندس صالح بن إبراهيم الرشيد، الذي كان مثالًا متميِّزًا لإدارة هيئة بهذا المستوى، ولهذه المهمَّة في هذا البلد المقدس في العالم؛ ممَّا يدفعني أنا وزملائي لتقديم جزيل الشكر والتقدير لهذه المجموعة على كفاءتها وقدرتها على قيادة هذا الحِراك التطويريِّ، والشكر لمن أحسن اختيارهم لقيادة هذا المشروع «علمًا، وخلقًا، وفكرًا، وتطويرًا، وأداءً» ليس فقط خلال تقديم الندوة، إنَّما بعد انتهائها كان هناك تواصل على مستوى رفيع مع كل الحضور للاستفادة من آرائهم المكتوبة، وأيضًا دعوتهم وعائلاتهم لزيارة متحف مكَّة المكرَّمة.
شكرًا للهيئة، والقائمين عليها، وشكرًا للقيادة السعوديَّة التي أحسنت اختيار القيادات لهذه المهمَّة.


