Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد الظفيري

أنت أنت.. والعمل عمل

A A
هناك من ينغمس في عمله حتى تتلاشى الحدود بينه وبين دوره الوظيفي، فيتحول المنصب إلى هوية، والمهام إلى مرآة يُعرّف بها نفسه. يبدأ الأمر بحماس مشروع، ثم يتدرّج إلى ارتباط عاطفي عميق، حتى يصل إلى قناعة داخلية أنه المحور الذي يدور حوله كل شيء. ومع الوقت، تتضخم هذه الفكرة في داخله، فيرى أن غيابه سيترك فراغًا لا يمكن سدّه، وأن المؤسسة ستتعثر إن ابتعد خطوة واحدة.

هذه الحالة لا تنشأ فجأة، وإنما تتغذَّى على عوامل متعددة؛ بيئة عمل تُعزِّز الفردية، إشادات متكررة، أو حتى خوف داخلي من فقدان القيمة. فيغدو العمل مساحة لإثبات الذات، لا ساحة للإنتاج والعطاء فحسب. وهنا يبدأ الخلط؛ حين يختفي الخط الفاصل بين «أنا» و»ما أعمله».

الحقيقة أوسع من هذا التصور الضيق. الحياة بطبيعتها لا تتوقف عند أحد، والمؤسسات صُمِّمت لتستمر، تتبدَّل فيها الأدوار، وتتجدَّد فيها الكفاءات.

عبر التاريخ، ظهرت نظريات علمية اعتُبرت في وقتها نهاية المعرفة، ثم جاء من بعدها مَن وسّع الأفق وكشف حدودها. لم يكن ذلك تقليلاً من شأن أصحابها، وإنما تأكيداً على أن المسيرة أكبر من أي فرد.

التوازن هنا ضرورة، لا رفاهية. أن تؤدي عملك بإتقان، وتترك أثرًا إيجابيًا، هذا جوهر النجاح. أما ربط قيمتك الكاملة بموقعك، فيفتح بابًا مرهقًا من التوتر والقلق. لأن أي تغيير، مهما كان طبيعيًا، سيُفسَّر داخليًا كخسارة شخصية.

من المهم أن تراجع نفسك بين حينٍ وآخر؛ هل تعمل لأنك تؤمن بما تُقدِّمه، أم لأنك تخشى أن تفقد مكانك؟، هل ترى نفسك جزءًا من منظومة، أم مركزها الوحيد؟، هذه الأسئلة تعيد ترتيب الداخل، وتمنحك وضوحًا يُحرِّرك من ضغط الوهم.

لا تكن أسيرًا لهوى النفس حين تضخم دورها، وتدفعك لتصديق أنك الاستثناء. امنح عملك حقه، وامنح نفسك مساحة أوسع للحياة. حينها تدرك أن قيمتك الحقيقية لا تختصر في منصب، وأن الأثر الأجمل هو ما يبقى حتى بعد أن تمضي.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store