اطَّلعتُ -بكلِّ اهتمامٍ- على نسخةٍ من الكتاب التوثيقيِّ الذي يحمل عنوان (نوف)، والذي يمثِّل سيرةً خالدةً رصدتها ودوَّنتها مؤلِّفته الدكتورة نورة الشملان في فصوله الخمسة، وتوقَّفتْ من خلالها عند الكثير من المحطَّات المُشرقة في حياة صاحبة السموِّ الملكيِّ الأميرةِ نوف بنت عبدالعزيز آل سعود -رحمهَا اللهُ-.
يؤكِّد هذا الكتاب، الذي يُعتبر وثيقةً إنسانيَّةً وأدبيَّةً في الذاكرة السعوديَّة، أنَّ صفحات الرُّموز الوطنيَّة لا يمكن أنْ تُغلَق مع رحيلهم، بل تبقى آثارهُم خالدةً في الذاكرة الجَمعيَّة، من خلال ما صاغُوه من ملاحمِ البذلِ والعطاءِ.
يعكسُ الكتابُ في بُنيته السرديَّة، وأدواته التوثيقيَّة حجم الوعي المنهجيِّ والانضباط البحثيِّ والحس الإنسانيِّ لدى مؤلِّفته؛ باعتباره لا يقوم على الكلام المرسل، بل على معلومات موثَّقة وشهادات مباشرة من العارفين والمقرَّبين ممَّن امتلكُوا معرفة دقيقة بتفاصيل حياة الأميرة نوف، فقدَّمُوا تفاصيل دقيقة سبرت أغوار الحقيقة، ومثلت إضاءات مشرقة أبرزت العديد من الجوانب ذات الأبعاد القيَميَّة، كما ساهمُوا في رسم صورة صادقة للمشهد المحليِّ، تعرّفنا من خلالها على الكثير من الأحداث والبروتوكولات المتبعة داخل أسرة الراحلة في اللقاءات النسائيَّة وعادات الزَّواج، وهذا الفيض من الترابط الأسريِّ الذي يعكس نقاءَ المعدن، وسموَّ الهدف.
لقد لفت نظرنا في هذا المؤلَّف حجم الجهد الذي بذلته المؤلِّفة في جمع المادة العلميَّة ومواجهة التحدِّيات، من خلال استنادها إلى الشهادات المباشرة، والمراسلات والزيارات الميدانيَّة، والاعتماد على (التوثيق والتحليل)، والفصل بين العاطفة والحقيقة، وترسيخ مفهوم الأمانة في كتابة السِّيرة، بما يعكس نموذجًا من نماذج الوفاء للحقيقة وللتاريخ والإنسان.
بهذا الجهد المتميِّز، أتاحت لنا المؤلِّفة مساحات معرفيَّة واسعة نتعرَّف من خلالها على تفاصيل شخصيَّة الأميرة نوف -رحمها الله-، وأثرها في محيطها الأسريِّ والاجتماعيِّ، وتمسُّكها بالقِيم العربيَّة الأصيلة، ودورها المحوريِّ في دعم قطاعات الثقافة والتعليم والصحَّة، انطلاقًا من حسِّها الوطنيِّ الذي وضع بناء الإنسان أوَّلًا في معادلة النماء والعطاء.
نستقرئ بين سطور الكتاب العديد من الزَّوايا الإنسانيَّة للأميرة نوف -رحمها اللهُ-؛ التي جعلت العطاء سجيتها والإيثار خلقُهَا والنُّبل طبعُهَا، فكرَّست -بصمتٍ- جزءًا كبيرًا من حياتها للأعمال الخيريَّة، وأثرتْ المجتمع بمواقفها الإنسانيَّة النَّبيلة التي مازالت أصداؤها تتردَّد في آفاق العمل الخيريِّ.
ولعل ما كشف عنه هذا الكتاب؛ القيِّم في الجانب الثقافيِّ من شخصيَّة الراحلة، وما كانت تتمتَّع به من ثراء معرفيٍّ، وسعة اطِّلاع، وانفتاحٍ على مختلف الثقافات، إنَّما يشكِّل نموذجًا يرسم الأبعاد الاستثنائيَّة في هذه الشخصيَّة الفريدة التي تصفها المؤلِّفة بأنَّها: «المرأة القويَّة بلا قسوة، الرَّحيمة بلا ضعف، المرحة بلا ابتذال، المتديِّنة بلا تطرُّف، الكريمة بلا حدود».
وحريٌّ بنا هنا أنْ نسجِّل تقديرنا وإعجابنا بالعارفين من أقارب الفقيدة، وصديقاتها ممَّن قدَّموا شهادات نقلوا من خلالها السِّمات الشخصيَّة الأصيلة للأميرة نوف، وأولئك الذين رسمُوا لوحات حبٍّ ووفاء أبرزت تفاصيل استثنائيَّة في حياتها.
لقد أتاح لنا هذا الكتابُ الفُرصةَ لاستحضار الكثير من المعاني في حياة الرَّاحلة، وهي معانٍ تستحقُّ التوقُّف، وصفحات مضيئة لوجه من وجوه النُّبل الإنسانيِّ في جميع مساراته: ابنةً، وزوجةً، وأُمًّا، وأختًا، وجدَّةً، وصديقةً، وهي صفحات يجدر بنا استقراؤها من أجل أنْ تبقى حياة الشخصيَّات الملهمة محورًا في الذاكرة المعرفيَّة والإنسانيَّة المتجدِّدة التي تستلهمها الأجيال القادمة.. سائلين اللهَ أنْ يرحمَ الأميرةَ نوف، ويسكنهَا فسيحَ جنَّاته، وأنْ ينفع بهذا الكتاب مؤلِّفته وقارئيه.


