Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. مالك بن ربيع آل دحلان

التنظيم الدولي الثالث

حوارات الطريف

A A
كنتُ في فلورنسا، حين بدأت الرُّؤية تنجلي. لا بمعنى الاكتشاف، بل بمعنى التأكُّد. فهذه المدينة الحسناء، التي قامت أصلًا مستعمرةً رومانيَّةً، ثمَّ صارت عنوانَ النَّهضة، لا تُقنعك بأنَّ الحضارة تُبنَى على محوِ ما سبقها، بل على إعادة ترتيب النَّظر إليه. الماضي فيها ليس ركامًا، بل طبقاتٌ من المعنَى والجَمَال يبني عليها اللَّاحق، ولا يعود إليها كما كانت.

ثمَّ وصلتُ إلى روما. وهربًا من المعكرونة، ووفرة النشويَّات، دخلتُ مطعمًا فارسيًّا بسيطًا في قلب المدينة الأبديَّة، وطلبتُ حساء «آش رشته». سألونِي: مَن أينَ أنتَ؟ قلتُ: من مكَّة المكرَّمة. ومضينا نتفاهم بما لا يحتاج كثيرَ كلامٍ. وفي تلك اللَّحظة أدركتُ أنَّ الحضارات تجد بعضها في عواصم الإمبراطوريَّات، وأنَّها لا تبقى؛ لأنَّها تنتصر في كلِّ معركة، بل لأنَّها تعرفُ كيف تُعيد تركيب نفسها من غير أنْ تفقدَ روحَها. فالمائدةُ الحضاريَّة ليست تفصيلًا، بل وعاءُ استمرارٍ؛ وليس عابرًا أنْ تحتفظَ الذاكرةُ الفارسيَّة نفسها بمركزيَّة الآش في لغتها وثقافتها.

من هنا أفهمُ تاريخ التَّنظيم الدوليِّ الحديث.

جاء التنظيمُ الدوليُّ الأوَّل مع عصبة الأمم بعد الحرب العالميَّة الأُولى: محاولةً لإخضاع القوة لفكرة التَّنظيم والتَّعاون. ثمَّ جاء التنظيمُ الدوليُّ الثَّاني مع الأمم المُتَّحدة سنة 1945: عالميًّا في لغته، فسيحًا لصراع الرأسماليَّة والشيوعيَّة، والاستعمار، وما بعد الاستعمار، وباردًا في بنيته. ولم ينشأ أيٌّ منهما من إصلاحٍ تدريجيٍّ، بل من عتبةٍ اضطرت البشريَّة عندَها إلى تسويةٍ دوليَّةٍ جديدةٍ.

والبشريَّة اليوم تقفُ على عتبةٍ مشابهةٍ. ليس لأنَّ الحروب كثرت فحسب، بل لأنَّ الصِّيغة القائمة أعلنت قصورها، ثمَّ واصلت التَّظاهر بالعمل. وهنا تبدُو غزَّة لا مجرَّد مأساة، بل مرآةً. ففي يناير 2024، أصدرت محكمةُ العدلِ الدوليَّة تدابيرها المؤقَّتة، ثمَّ جاءَ قرارُ مجلس الأمن 2728 مطالبًا بوقف إطلاق النَّار، ثمَّ أصدرت المحكمةُ الجنائيَّةُ الدوليَّةُ في نوفمبر 2024 مذكرتَي توقيفٍ. ومع ذلكَ ظلَّ الفارقُ هائلًا بين اللُّغة والتَّنفيذ. هنا انقطعت الجاذبيَّة بين النصِّ والقوَّة، بين الحكم والإنفاذ، بين القانون وإلزاميَّته في العالم.

ولعلَّ أبلغ ما يكشف هذا القصور، أنَّ التَّنظيم الدوليَّ الثَّاني صار يكتبُ على نفسه ملاحقَ بقاءٍ: الميثاق من أجل المستقبل، والميثاق الرقمي العالمي، وإعلان الأجيال المقبلة، ثمَّ مبادرة الأُمم المتَّحدة 80. وهذه النُّصوص، على أهميَّتها، ليست بلا قيمة؛ لكنَّها اعترافٌ ضمنيٌّ بأنَّ البنية القائمة لم تعد كافيةً، وأنَّ العالم يطلب صيغةً أوسع من مجرَّد تحسين الإدارة. وفي الأسبوع نفسه، تأتي محاوراتُ المرشَّحين لمنصب الأمين العام، ويأتي يوم الأرض، ويعنون صندوق النَّقد الدوليِّ تقريره: الاقتصاد العالمي في ظلِّ الحرب. كأنَّ الزَّمن نفسه يسأل: مَن يملكُ خيالَ التسويةِ الدوليَّةِ، لا مجرَّد إدارة الاختلالِ؟

التنظيمُ الدوليُّ الثالثُ ليس إصلاحًا للأُمم المتَّحدة، بل التَّعبير المؤسسي عن تسويةٍ دوليَّةٍ جديدةٍ لما تعلَّمته البشريَّة عن العالم، وعن نفسها. فالنَّهضة لم تكن ترميمًا للإمبراطوريَّة، بل تصحيحًا لطريقة النَّظر، ومساحةً لولادة المنظور. وكذلك ما يلي هذا الاضطراب لن يكون ترميمًا لجهازٍ شاخَ، بل تسميةً جديدةً لعتبةٍ حضاريَّةٍ بلغها العالم. ولذلك فالمسألةُ لم تعد في إنقاذ الصِّيغة القديمة، بقدر ما أصبحت في الوفاء بحقِّ الشَّباب، وبالعدالة بين الأجيال، في عالمٍ أصدقَ، ونظامٍ عامٍّ أعدلَ، وأفقٍ أوسعَ من إدارة الاختلال.

الضبطُ يبدأُ فِي الطريف... وفِي العالمِ يُخْتبَر.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store