في كلِّ حيٍّ، هناك ما لا يظهرُ في الواجهةِ. تمشي في الشَّارع ذاتِه، تمرُّ على الأماكنِ نفسها، تظنُّ أنَّ الصُّورة مكتملةٌ، لكنَّها في الحقيقة تتشكَّل في الزَّوايا الصَّغيرة -في الانتظار- وفي الاحتياجِ الذي لا يُقَال بصوتٍ عالٍ.
عند باب أحد المراكز الصحيَّة، يقفُ عددٌ من المراجعِينَ، كلُّ واحدٍ يحمل قصَّته الخاصَّة. الدَّاخلُ مزدحمٌ، والمواعيدُ محدودةٌ! والطَّبيب واحدٌ، أو اثنَانِ يَخدِمَان حيًّا بأكملِهِ.
المشهدُ يتكرَّر في أكثر من موقع في جدَّة، كما في غيرها، أحياء كانت في وقتٍ قريبٍ محدودةَ الكثافة، أصبحت اليوم ممتدَّةً -مكتظَّةً- متسارعةَ النموِّ، وهو ما يرفع بطبيعة الحال حجم الاحتياج، خاصَّةً في الجانب الصحيِّ.
ومع ما يشهده القطاعُ من تطوير، والتحوُّلات الإيجابيَّة التي لا يمكنُ إغفالها، إلَّا أنَّ بعض هذه الأحياء لا تزالُ بحاجةٍ إلى دعم أكبر، دعم يتناسبُ مع حجمها الحاليِّ، لا مع صورتها القديمة.
الحديثُ هنا ليس عن نقدٍ، بقدر ما هو قراءة لواقع يتغيَّر بسرعة، المراكز الصحيَّة داخل الأحياء تمثِّل خطَّ الدفاعِ الأوَّل، وهي الأقربُ للسكَّان؛ ما يجعل تعزيزها بالكوادر والإمكانات ضرورةً تتقدَّم على غيرها، خصوصًا في الأحياء ذات الكثافة العالية.
في زاويةٍ أُخْرى من الحيِّ... هناك مشهدٌ مختلفٌ، شبابٌ يجتمعُون في مساحاتٍ محدودةٍ، يبحثُونَ عن مكانٍ يحتضن طاقاتِهم، الحديث عن الملاعب داخل الأحياء ليس جديدًا، ملف قديم جديد طُرح كثيرًا، وكُتب عنه أكثر من مرَّة، أتذكَّرُ أنَّني تناولتُ هذا الموضوع في مقالٍ سابقٍ من زاويةٍ تتعلَّق بأهميَّة وجود ملاعب مهيَّأة داخل الأحياء، قادرة على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة من الشَّباب.
الأحياءُ كبرت، وأعدادُ الشَّباب تضاعفتْ، والاحتياجُ يبقى قائمًا، وجودُ الملاعب المخصَّصة لا يُعدُّ ترفًا، بل هو أحدُ الحلول التي تسهم في احتواء الطَّاقات، وتوجيهها، وخلق بيئة أكثر توازنًا داخل الحي.
وفي تجربةٍ شخصيَّةٍ تعود لسنوات، عندما كنتُ أعملُ مراسلًا صحفيًّا لصُحفٍ سعوديَّة في بريطانيا، لفت انتباهي أنَّ التَّعامل مع هذه التفاصيل يتمُّ ببساطةٍ واضحةٍ، كلُّ حيٍّ يعرفُ احتياجَه، ويُبنَى على هذا الأساس، دون تعقيد.
لم يكن المقصود عقد مقارنةٍ، بقدر ما هو استدعاءٌ لما يمكن أنْ يُلتقط من تجارب عايشناهَا عن قُرب، ثمَّ إعادة صياغته بما ينسجم مع طبيعة أحيائِنَا واتِّساعِها المُتسارع دون تحميل الفكرة أكثر ممَّا تحتمل، ودون تعقيد في تطبيقها.
الحيُّ ليس مجرَّد مساكن متجاورة، هو منظومة متكاملة، تبدأ بالصحَّة، وتمتد إلى تفاصيل الحياة اليوميَّة، وتنعكس في جودة العيش، والأمل دائمًا أنْ تحظى هذه التفاصيل بالاهتمام الذي تستحقُّه؛ بما يعزِّز من كفاءة الخدمات، ويواكب النموَّ المتسارعَ الذي تشهده مدنُنَا.
* نقطة تحت السطر:
الحيُّ الذِي يكبرُ في مساحتِهِ... يحتاجُ أنْ يكبرَ معَهُ الاهتمامُ بتفاصيلِهِ.


