Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

سبينوصوروس.. ضيفنا الثقيل من النيجر!

A A
قرأتُ مؤخَّرًا خبرًا علميًّا طريفًا ومهيبًا في آنٍ واحدٍ: علماء حفريَّات أعلنُوا العثور في صحراء تينيري بالنيجر على بقايا ديناصور من مجموعة السبينوصورات، تلك السُّلالة العجيبة التي جمعت بين الضَّخامة، والهَيبة، وحبِّ الأسماك على نحوٍ يكاد يجعلها تبدو كصيَّادٍ نهريٍّ متفرِّغ لا يشغله شيءٌ في الدُّنيا.

والنيجر التي نعرفها اليوم، بحرٌ من الرِّمال والحرارة، لم تكن دائمًا على هذه الحال، فقبل نحو 95 مليون سنة، كانت أجزاء منها بيئةً مختلفةً تمامًا: أنهار، ومسطحات مائيَّة، وحواف خضراء، وكائنات ضخمة تتجوَّل في المكان، وكأنَّ الأرض كلَّها مُنحت لها بعقد إيجار مفتوح لا ينتهي. هناك، في ذلك العالم القديم، كان هذا العملاق يطوفُ قرب المياه، ويقتاتُ على الأسماك، ويعيشُ حياةً لا يعرف فيها فاتورة كهرباء، ولا ازدحام شارع، ولا موعد دوام.

وليس السبينوصور من أولئك الديناصورات التي تُخطئها العين، فهو من أشهر العمالقة اللَّاحمة، ويُعرف بهيئته الغريبة، التي تجمع بين جسم مفترس ضخم، بفكٍّ طويلٍ يشبه في بعض ملامحه تماسيح العصر الحديث، وأسنان مناسبة للإمساك بالفريسة الزَلقة، لا سيَّما الأسماك. ولهذا يعدُّه العلماء من أكثر الديناصورات ارتباطًا بالماء، وإنْ كان الأدق أنْ نقول: إنَّه شبه مائي، أو شديد الصِّلة بالبيئات النهريَّة، ليس مخلوقًا بحريًّا خالصًا، كما يتخيَّله الخيالُ الجامحُ.

أمَّا الأسماء التي تعلق في ألسنتنا، كما لو كانت تعاويذ قديمة مثل: سبينوصوروس، وتيرانوصوروس ريكس، فليست مؤامرةً من العلماء لإحراجنا في النطق، وإنْ بدَا الأمر كذلك أحيانًا! هذه الأسماء تُصَاغ عادةً من أصول يونانيَّة ولاتينيَّة، أو تُنسب إلى صفات الكائن، أو مكان العثور عليه. وكلمة ديناصور نفسها صِيغت في القرن التاسع عشر، حين استُعمل مصطلح ديناصوريا لوصف هذه الكائنات المَهيبة؛ ومعناها في الجملة يدور حول «السَّحالي العظيمة المرعبة». ومنذ ذلك الحين، والعلماء كلَّما وجدُوا عظمةً، أو فكًّا، أو فقرةً، منحُوا صاحبها اسمًا يضمن له الخلود، ويضمن لنا نحن بعض الارتباك عند القراءة أو النطق!

والجميل في هذا الاكتشاف أنَّه لا يخبرنا عن ديناصور واحد فحسب، بل عن قارَّة كاملة كانت يومًا مسرحًا للعمالقة. فشمال إفريقيا من مصر، إلى المغرب، إلى النيجر، حفظ في طبقاته الصخريَّة آثار السبينوصورات وأقاربها، وكأنَّ هذه الأرض كانت لهم ملعبًا مفتوحًا، أو ناديًا خاصًّا للديناصورات الضَّخمة لا يُسمح فيه لغير أصحاب الأسنان الكبيرة بالدخول.

ثمَّ جاءت النهاية الكُبرى. قبل نحو 66 مليون سنة، اصطدم بالأرض كويكب هائل، فاختلَّ المناخ، وتبدَّلت البيئات، وتعاقبت الكوارث على الكوكب، وانطفأ بذلك عصر الديناصورات. وهكذا أُسدل السِّتار على زمنٍ كانت فيه الأرضُ ترتجُّ تحت أقدام مخلوقات، لو عاشت بيننا اليوم، لما بَقِيَ لمدننا هيبةً، ولا لسياراتِنَا أمانًا، ولا لشرفات الطَّابق الخامس خصوصيَّة تُذكر.

ولعلَّ من حسن حظِّنا، بل من تمام نعمة الله علينا، أنَّ هذه الكائنات رحلت قبل أنْ نأتي نحن إلى المسرح. تخيَّل فقط أنْ تستيقظ صباحًا، فتفتح النَّافذة لتجد مخلوقًا بطول حافلة مدرسيَّة يمرُّ أمامك في مزاجٍ رائقٍ، أو تخرج مستعجلًا إلى عملك فتكتشف أنَّ وسيلة مواصلاتك قد دخلت في السلسلة الغذائيَّة لكائن لا يعرفُ الرَّحمة، ولا إشارات المرور!

رحلُوا هُم، وبقينا نحنُ.

هم صاروا عظامًا في الصخور، ونحن صرنا ننبشُ تلك الصخور، ونكتبُ المقالات، ونتأمَّل هذا العالم القديم بدهشةٍ صادقةٍ، وابتسامةٍ لا تخلو من الامتنان. فما أعجب التَّاريخ الطبيعي: يوم كانت فيه الأرض للديناصورات، ويوم صارت فيه قصتهم مادة للعلم، ومجالًا للخيال، وسلوى لكُتَّاب المقالات.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store