Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد الظفيري

جدَّة.. بوابة المملكة على العالم

A A
التقيتُ بالصَّديق العزيز المهندس مسلط بن ربيعان، في لقاءٍ امتدَّ بروحهِ قبل زمنهِ، حيث تداخلت فيه الحكاياتُ المهنيَّةُ، مع شغف المُدن، ومعنى العمران. كان الحديث عن المُدن السعوديَّة أقرب إلى قراءةٍ في كتابٍ مفتوحٍ، مدن تنمُو بثقةٍ، وتُعيد تعريف علاقتها بالإنسان والمكان، وتُقدِّم نماذجَ حضريَّةً تتقدَّم بخُطى متسارعةٍ نحو العالميَّة.

توقَّفنا طويلًا عند جدَّة، هذه المدينة التي تحمل في تفاصيلها مزيجًا فريدًا من التَّاريخ والانفتاح، ومن الاقتصاد والثقافة. مدينة تتنفَّس عبر بحرها، وتستقبل العالم عبر موانئها ومطارها، وتحتفظ في قلبها بذاكرةٍ عميقةٍ تمتدُّ عبر «جدَّة التاريخيَّة»، فيما ترسم على كورنيشها ملامح مستقبلٍ متجدِّدٍ. في جدَّة، يبدُو التحوُّل العمراني قصةً تُكتب كلَّ يوم، مدفوعة برؤيةٍ وطنيَّةٍ طموحةٍ، وإرادة تنفيذيَّة واضحةٍ.

في هذا السِّياق، شاركني المهندسُ مسلط فكرة مشروعه «حي القنصليَّات بجدَّة»، وهو تصوُّر معماريٌّ يطمح إلى تشكيل حيٍّ دبلوماسيٍّ نموذجيٍّ يعكس مكانة المدينة، ويمنحها بُعدًا جديدًا في حضورها الدوليِّ كبوابة للمملكة على العالم. الفكرة تنطلقُ من حاجةٍ واقعيَّةٍ لبيئةٍ متكاملةٍ؛ تستوعب البعثات الدبلوماسيَّة، وتُقدِّم نموذجًا عمرانيًّا يُوازن بين متطلَّبات العمل الدبلوماسي، وجودة الحياة، وتعتمد إشراك القطاع الخاص في التنفيذ كاملًا.

ما لفت الانتباه في الطَّرح، هو عمق الفلسفة التي يستند إليها المشروع، حيث يتكامل البُعد الوظيفي مع الإنسانيِّ في نسيجٍ واحدٍ. تتجاور المساحات الإداريَّة مع السكنيَّة والتجاريَّة والترفيهيَّة ضمن منظومة متجانسة، تُصمَّم بعنايةٍ لتوفير الخصوصيَّة، وفي الوقت ذاته تفتح المجال لتجربةٍ معيشيَّةٍ ثريَّةٍ، تُعزِّز التفاعل الاجتماعي وجودة الحياة. حضور المساحات الخضراء، والممرات المفتوحة، يعكس وعيًا بيئيًّا متقدِّمًا، ويمنح المكان روحًا تتجاوز حدود المباني.

تتوزَّع مكوِّنات المشروع بطريقةٍ تُجسِّد هذا التوازن؛ منطقة أعمال، وأحياء سكنيَّة تستجيب لاحتياجات السكَّان، ومراكز تجاريَّة تضخُّ الحياة في تفاصيل اليوم، إلى جانب مرافق تعليميَّة ورياضيَّة ومجتمعيَّة تُكمل الصورة. كل عنصر في هذا المشروع يبدُو وكأنَّه جزءٌ من روايةٍ أكبر؛ عنوانها: «مدينة تُصمَّم للإنسان».

أمَّا الموقع، فيحمل بُعدًا إستراتيجيًّا يتيح لهذا التصوُّر أنْ يتحوَّل إلى واقعٍ متكاملٍ، مساحة قادرة على استيعاب هذا التنوُّع، وتنظيمه ضمن بيئةٍ متوازنةٍ تضمن الانسيابيَّة، وتفتح المجال لتشكيل مشهدٍ حضريٍّ متفرِّدٍ يليق بمدينة بحجم جدَّة.

في النِّهاية، بدا واضحًا أنَّ مثل هذه الأفكار تتجاوز كونها مشروعات تطوير عقاريٍّ، هي محاولات جادة لإعادة تعريف هويَّة المُدن، وصياغة حضورها على خريطة العالم. حين تجتمع الرُّؤية مع الخبرة، ويقترن الطُّموح بفهم عميقٍ للسياق، تُولد مشروعات قادرة على صناعة الفارق.

غادرتُ اللقاءَ وأنا أكثرُ يقينًا أنَّ مستقبل المُدن السعوديَّة يُبنَى اليوم بعقولٍ تؤمنُ بأنَّ العمران رسالة، وبأنَّ كلَّ مشروعٍ ناجح يبدأ بفكرة تُروَى بشغفٍ.. ثمَّ تتحوَّل إلى واقع يعيشه النَّاس.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store