Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

التداوي بالحب

A A
مع الحبِّ الحقيقيِّ، لن تحتاجَ إلى ارتداءِ أقنعةٍ اجتماعيَّة، ولن تخشَى أن تكونَ على سجيَّتك أمامَ مَن تُحبُّ. هناكَ، في تلك المساحةِ الاستثنائيَّة، يصبحُ قبولك غيرَ مشروطٍ، وتغدُو عيوبكَ جزءًا من الحضورِ لا عائقًا له. ليس الحبُّ مجرَّد عاطفةٍ عابرةٍ، بل بيئة نفسيَّة آمنة، يُعاد فيها ترميمُ الذَّات، ويُستعاد فيها التوازنُ الداخليُّ.

الحبُّ بهذَا المعنَى العميق يتجاوزُ العلاقة الثنائيَّة؛ ليصبح شعورًا وجوديًّا. لذلك لمْ يكن غريبًا أنْ يرَى بعضُ المتصوِّفةِ فيه طريقًا إلى المطلقِ. يقولُ (جلال الدين الرومي): «هناكَ سبلٌ كثيرةٌ؛ لتصلَ إلَى اللهِ، وأنَا اخترتُ الحبَّ؛ لأصلَ إليهِ». فالحبُّ هنَا ليسَ مجرَّد ارتباطٍ، بل انكشافٌ على معنى أعمقَ للحياة، حيثُ يذوب القلقُ في شعور الانتماء، وتخفتُ حدَّة العزلة. وهنَا ترَى (الرومي) يقولُ: «مِن دونِ الحبِّ، كلُّ الموسيقَى ضجيجٌ، كلُّ الرَّقصِ جنونٌ، كلُّ العباداتِ عبءٌ، الحبُّ جسرٌ بينكَ وبينَ كلِّ شيءٍ».

وحدَهُ الحُب، كمَا يبدو، قادرٌ على انتشال الإنسان من براثن القلقِ والغضبِ، ومنع انجرافه نحوَ العدميَّة أو تدمير الذَّات. يقول فيلسوف العبثِ (ألبير كامو): «إنَّ طريقَ الحياةِ وعرٌ وشاقٌّ، بدونِ مساعدةِ الدِّينِ والفنِّ والحُبِّ».

إِنَّ غيابَ الدافعِ الذاتيِّ، والحيويَّة النفسيَّة الداخليَّة التي يُولِّدهَا الحُبُّ، يجعل الإنسان يعملُ كالآلةِ، وهذَا في واقعه مرضٌ يعيشُ معه الإنسانُ غير مطمئنٍ مع ذاتهِ، مفتقدًا الانسجامَ مع نفسهِ.

إنَّ الحبَّ حالةُ تواصلٍ عميقٍ، تتداخلُ فيها المشاعرُ والأفكارُ والآلامُ، حتَّى يكاد المُحبَّانِ يعيشَانِ تجربةً مشتركةً بجميعِ تفاصيلِها. إنَّه «صفقةٌ كاملةٌ» كمَا تُوحي التجربةُ الإنسانيَّة: في الفرحِ والحزنِ، في الصحَّةِ والمرضِ، في الحضورِ والغيابِ، وفي القربِ والنَّوى. وربَّما لهذا السَّبب يبدو نادرًا، أو عسيرَ التحقُّق، لكنَّه يظلُّ الطريق والغاية.

وفي النهاية، قدْ لا ينهي الحُبُّ وحدتنَا بالكاملِ، لكنَّه يمنحنَا وهمًا جميلًا، أو ربَّما حقيقة مؤقتة، بأنَّنا لسنا وحدنَا. يقولُ المخرجُ والكاتبُ الأمريكيُّ (جورج أورسون ويلز): «نحنُ نُولدُ وحيدِينَ.. فقطْ مِن خلالِ الحبِّ والصداقةِ نخدعُ أنفسنَا للحظةٍ بأنَّنا لسنَا وحيدِينَ». وعمومًا، قد لا يزيلُ الحبُّ الألمَ بالكاملِ، لكنَّه يمنحهُ معنًى، ويجعلُ احتماله ممكنًا، وذلك، في ذاته، نوع من التَّداوِي بالحُبِّ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store