Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سعود كاتب

السعودية تتقدم بثبات في مؤشر القوة الناعمة

A A
لم يعد قياس مكانة الدول في النظام الدولي مقتصراً على مؤشرات القوة الصلبة، بل باتت القوة الناعمة - بأبعادها الثقافية، والسياسية، والعلمية، والرياضية، والاتصالية- أحد أهم محددات النفوذ والتأثير.. وفي هذا السياق يأتي تقدم المملكة العربية السعودية إلى المرتبة السابعة عشرة عالميًا في تقرير Brand Finance للقوة الناعمة لعام 2026؛ ليعكس تحوّلًا نوعيًا في تموضعها الدولي، ليس فقط كقوة إقليمية تقليدية، بل كفاعل عالمي يعيد تعريف صورته؛ ويؤثر في محيطه بآليات أكثر تنوعًا وفاعلية.
هذا التقدم لم يكن عابرًا أو نتاج تحسُّن مرحلي، بل هو حصيلة مشروع استراتيجي متكامل تقوده رؤية 2030، التي أيقظت عملاق القوة الناعمة السعودية عبر إعادة صياغة العلاقة بين الداخل والخارج، وربط الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بأهداف السياسة الخارجية؛ وصناعة الصورة الذهنية. منتقلةً بذلك من نموذج الحضور المحافظ إلى نموذج الدولة المنفتحة، الديناميكية، والقادرة على تقديم نفسها للعالم بسردية حديثة مختلفة أكثر شموليةً واتساقًا، تتجاوز الأطر التقليدية للإعلام الخارجي.
على مستوى المؤشرات، يمكن قراءة هذا التقدم عبر عدة محاور رئيسية: أولها، تحسن الصورة الدولية للمملكة مدفوعًا بسياسات الانفتاح الثقافي، وتطوير قطاعي السياحة والرياضة، واستضافة فعاليات عالمية كبرى، ما جعل السعودية وجهة جاذبة ومثيرة للاهتمام. وثانيها، تعزيز الدبلوماسية العامة، حيث استثمرت المملكة بشكل متزايد في أدوات الاتصال الدولي، وبناء الشراكات الثقافية والتعليمية، وتفعيل دور المؤسسات غير الحكومية في نقل روايتها إلى الخارج.
أما المحور الثالث، فيتعلق بالدور السياسي والدبلوماسي المتوازن الذي لعبته المملكة في عدد من القضايا الإقليمية والدولية، حيث تبنت نهج الوساطة والحكمة وخفض التصعيد، ما عزز صورتها كقوة استقرار وشريك موثوق يمكن الاعتمادعليه. ويُضاف إلى ذلك التأثير الاقتصادي المتنامي، من خلال مشاريع كبرى واستثمارات إستراتيجية، جعلت من المملكة لاعبًا محوريًا في الاقتصاد العالمي، خاصة في مجالات الطاقة والتحول نحو الاستدامة.
ولا يمكن إغفال دور الهوية الثقافية والدينية، التي تم توظيفها بشكل أكثر انفتاحًا واحترافية، بما يعزز من جاذبية المملكة دون أن يُفقدها خصوصيتها.. فالمملكة اليوم تقدم نموذجًا يجمع بين الأصالة والتحديث، وهو عنصر أساسي في بناء قوة ناعمة مستدامة وقابلة للتراكم.
مع كل ذلك، فإن الحفاظ على هذا التقدم - بل وتعزيزه- يتطلب الانتقال من مرحلة «المبادرات المؤثرة» إلى مرحلة «التمكين المؤسسي المستدام» في مجال القوة الناعمة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى ترسيخ الدبلوماسية العامة كحقل مهني وأكاديمي متكامل، لا يقتصر على الممارسة، بل يمتد إلى البناء المعرفي والتأهيل المنهجي. ويبدأ ذلك بالاستثمار الجاد في رأس المال البشري، عبر تطوير برامج أكاديمية متخصصة في الدبلوماسية العامة ضمن الجامعات السعودية، وإدماج مفاهيمها في تخصصات الإعلام والعلاقات الدولية والثقافة والقانون. كما يتطلب توسيع نطاق البرامج التدريبية الاحترافية، بما يسهم في إعداد جيل شاب جديد من الممارسين القادرين على تمثيل المملكة بكفاءة في الفضاء الدولي، وصياغة خطابها بلغة معاصرة مؤثرة.
في المحصلة، يعكس صعود المملكة إلى المرتبة 17 تحولًا إستراتيجيًا عميقًا في إدراكها لأدوات القوة في القرن الحادي والعشرين، فالسعودية لم تعد تكتفي بدورها التقليدي، بل باتت تصوغ لنفسها موقعًا جديدًا في النظام الدولي، قائمًا على التأثير الذكي، والحضور المتوازن، والقدرة على الإقناع. وإذا ما استمرت هذه الديناميكية بنفس الزخم والاتجاه، فإن السنوات المقبلة سوق تحمل للمملكة بحول الله موقعًا أكثر تقدمًا في خريطة القوة الناعمة العالمية.
@skateb
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store