حكايتي مع الفنانة الكبيرة الراحلة منى القصبي تصلح بالتأكيد لأن تكون فيلمًا تسجيليًا جميلًا..
كان اللقاء الأول في القاهرة، حيث رشحني لها أخي الصحفي الكبير شريف قنديل للعمل مسؤولا إعلامياً في المركز السعودي للفنون التشكيلية.
في دقائق معدودة، تفاهمنا واتفقنا على كل شيء ليتم التعاقد ثم السفر في وقت قياسي.
جئت إلى جدة وأنا في العشرينيات من عمري فاستقبلتني بحفاوة الأخت الكبيرة، ولم تبخل بنصيحة.
هكذا بدأت عملي في المركز في بداية تأسيسها له مع الأميرة نورة بنت بدر.. فيما تقاطر فنانون كبار للمؤازرة والتشجيع مثل ضياء عزيز ضياء، وهشام بنجابي، وفوزية عبداللطيف.
عرّفتني بهم وأوصتهم بي، فأحاطوني بكل رعاية وكرم واهتمام.
أحسست أن المكان مكاني فانطلقت بكل حماس سائلا الله الإخلاص.
في النهار، أرتب كل الأشياء وأضع التصورات التي انفذها بنفسي.. وفي الليل أواصل القراءة في تاريخ وواقع ورموز الحركة التشكيلية السعودية.
بقيت على هذا الحال نحو ستة شهور. وذات يوم تخلف الإعلامي الكبير المذيع جبريل أبو دية عن الحضور لتقديم حفل كبير قمنا بالإعداد له عن الانتفاضة الفلسطينية، وذلك بسبب حادث تعرض له.
والواقع أن غياب الأستاذ جبريل أصاب السيدة منى وبقية الفنانين بقلق وتوتر شديدين.. خاصة وأن الحفل سيحضره الأمير ماجد بن عبدالعزيز أمير مكة المكرمة في ذلك الوقت ومجموعة من الأمراء والمسؤولين في المنطقة.. وحين سألت السيدة منى من سيقدم الحفل، قلت بلا تردد وبكل ثقة: أنا.
قالت: معقول؟ قلت نعم..
توكلت على الله وتذكرت الحفلات المدرسية والمناسبات الرياضية التي قدمتها وانطلقت..
استخدمت كل حصيلتي اللغوية والأدبية وكل المقدمات الصحفية التي اتقنتها على يد أخي.. ومع كل وقفة كان تصفيق الحاضرين يؤكد أنني على الطريق السليم. انتهى الحفل وبدأت أتلقى التهنئة وعبارات الإعجاب من الفنانين الكبار.. واتصلت بي الأستاذة منى عن طريق التلفون الداخلي حيث لم يكن مسموحًا للسيدات بالحضور ولم يكن هناك موبيلات في ذلك الوقت.. شكرتني الأستاذة وأمطرتني بعبارات التحية والشكر.. أتذكر جيدًا كلماتها وهي تقول: معقول عندنا "واحد" بهذه الإمكانات؟!
وقبل أن تنهي المكالمة قالت: انتظر مني مفاجأة لك!
والحق أنني توقعتها مفاجأة مالية؛ لكنها جاءت أغلى بكثير!!
ففي الصباح فوجئت بورقة معلقة في أكثر من مكان على جدران المركز تفيد بتعيني مديرًا عامًا للمركز السعودي للفنون التشكيلية..
وبقدر فرحتي كان تخوفي من مسؤولية إدارة أكبر قاعة عرض في المملكة.
ومن جديد كنت ألوذ بالقراءة.. وسؤال كل معارفي من الصحفيين أثناء زيارتي لأخي في الشركة السعودية للأبحاث والنشر "الشرق الاوسط" فضلا عن الفنانين والأدباء الذين تعرفت عليهم.
ومضيت بكل جدية للعمل بروح الفريق مع المجموعة الموجودة واضعًا نصب عيني أن يصبح المركز قبلة للفنانين التشكيليين السعوديين والعرب. وأثناء تنفيذ الخطط المستقبلية لخمس سنوات كما اتفقنا.. حدث اختلاف في وجهات النظر فقدمت استقالتي. وقررت وقتها الرجوع للقاهرة وبالفعل جهزت حقائب السفر للعودة إلا أنني فوجئت بمكالمة من السيد عيسى عنقاوي حيث رشحني مديرًا لبيت التشكيليين السعوديين الذي أهداه الدكتور سعيد فارسي أمين مدينة جدة للتشكيليين برئاسة الفنان الكبير طه الصبان.
أخبرت السيدة منى بالترشيح فرحبت كل الترحيب وقدمت لي خطاب شكر وتقدير مازلت أحتفظ به عن كل ما قدمته للمركز السعودي.
وانتقلت بعدها للبيت وتلك قصة طويلة لا مجال لسردها الآن..
في بيت التشكيليين طلبت السيدة منى أن أعود إلى المركز وأنا في البيت كمسؤول إعلامي وبنبل الكبار وافق الفنان الكبير طه الصبان، فتوليت المهمتين.
الآن وقد سبقتنا الأستاذة منى القصبي لدار الحق، وحيث لا مصالح ولا منافع مشتركة أقول لوجه الله وتاريخ الحركة التشكيلية أن السيدة منى تظل بالنسبة لي الأستاذة والمعلمة الأولى. كما تمثل الرمز والقدوة في التواضع والاحترام وعزة النفس.. اللهم تغمدها بواسع رحمتك وعظيم مغفرتك وأسكنها جنتك. وفي هذا المقام، أقدم عزائي لأخيها معالي الوزير د. ماجد القصبي ولأختها مي وأبنائها الدكتور نايف وعبدالله ونوف وهيفاء وإلى كل رموز وأفراد الحركة التشكيلية السعودية.. ويقينًا سيكتب التاريخ أن الساحة التشكيلية العربية فقدت برحيلها قامة وقيمة كبيرة كان لها دور بارز سيُكتب بأحرف من نور.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
السيدة منى.. الرمز والقدوة في التواضع والاحترام وعزة النفس
تاريخ النشر: 29 أبريل 2026 01:21 KSA
A A


