Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

الرزق واسع.. فهل اتسعت له أخلاق المهنة؟

A A
يروي صديقٌ عزيزٌ تجربةً عابرةً داخل أحد المتاجر في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، رجلٌ مسنٌّ يدخل بهدوءٍ، لا يحملُ الكثير، ولا يطلبُ سوى مساعدة بسيطةٍ، لم يكن المشهد استثنائيًّا، لكنَّه كان مكتملًا: اهتمام، هدوء، احترام.. وعمل يُؤدَّى كمَا ينبغي.
لم تتوقَّف الفكرةُ عند حدود الخدمة ذاتها، وإنَّما في الرُّوح التي تُقدَّم بها، وفي ذلك الإحساس الداخليِّ بأنَّ لكلِّ مهنة قيمتها، وأنَّ مَن يؤدِّيها يدركُ أثرها قبل مردودِهَا.
نعودُ إلى تفاصيلنا اليوميَّة.. إلى المحالِّ الصَّغيرة، إلى مهنٍ نمرُّ بها مرورًا سريعًا دون أنْ نتوقَّف كثيرًا عند ما يحدث داخلها، الأرزاق بيدِ اللهِ، وهذه البلاد فتحت أبوابَها للجميع، واستفادت من خبرات متعدِّدة، وقدَّمت نماذج مميَّزة في مجالات كثيرة، ومع ذلك تتكرَّر صورة مختلفة في زوايا أُخْرى من المَشهد؟! ثقافة «امشِها» العمل المؤقت، الحلول السَّريعة، والنتيجة التي تُقبل فقط؛ لأنَّها تؤدِّي الغرض في لحظتها.
تراكم هذه التفاصيل لا يبدُو خطيرًا في لحظته، لكنَّه مع الوقت يصنعُ معيارًا منخفضًا.. يعتاده النَّاسُ، ثمَّ يتعاملُون معه كأنَّه الطبيعيُّ. ليست القضيَّة في عمالة معيَّنة، ولا في مهنة بعينِها، المسألة أعمق من ذلك.. هي ثقافة أداء تتشكَّل بصمتٍ، وتفرضُ نفسها على السوق دون إعلان.
كيف تُنجز المهمَّة؟ بأيِّ مستوى من الدقَّة؟ وبأيِّ قدر من احترام العميلِ.. والمهنة نفسها؟ هذه الأسئلة لم تعد تفصيلًا؛ لأنَّ أيَّ خللٍ بسيطٍ يتكرَّر آلاف المرَّات، يتحوَّل إلى صورة ذهنيَّة كاملة، ويعيد تشكيل توقُّعات المجتمع، نبحث عن الأسرع، ونقبل بالقليل؛ لأنَّنا اعتدنا عليه، لا لأنه يليق بنا.
لا يستقيم أنْ يكون الطموح في القمَّة، بينما بعض الممارسات ما زالت عند حدودها الدُّنيا، ولا يكتمل الحديث عن نموذج متقدِّم ما لم تُترجم قيمه في سلوكيَّات العمل، خاصَّةً في واجهات التعامل المباشر التي تصنع الانطباع الأوَّل، وتختصر الكثير من الصورة.
المطلوبُ ليس تغيير الأشخاص، وإنَّما ترسيخ معيار مختلف للأداء أنْ يتحوَّل «مشِّي الحال»، إلى «عمل يُعتمد عليه»، وأنْ تصبح الأمانةُ المهنيَّةُ خيارًا ثابتًا لا استثناءَ، وأنْ ندرك أنَّ جودة الحياة لا تُقاس فقط بما نراه في المشروعات، وإنَّما بما نلمسه في أبسط خدمة نتعاملُ معها كل يوم.
هناك جانبٌ آخرُ أكثر عمقًا.. أنَّ بعض هذه الممارسات لا تُفرض علينا، بل نحنُ مَن يتقبَّلها نرى، نلاحظ، ثمَّ نكملُ الطريقَ دون موقف، هذا القبول الصَّامت يمنحُ هذه الثقافة مساحةً أكبر للانتشار، ويجعل التغيير أبطأ ممَّا ينبغي؛ لأنَّ السوق، في نهاية الأمر يتشكَّل من سلوك المستهلك، بقدر ما يتشكَّل من مقدِّم الخدمة.
والسؤال الذي يطرحُ نفسه: ماذا نريدُ أنْ نعتادَ عليه؟ لأنَّ ما نقبله اليوم، يصبح معيارَ الغدِ، وإذا كنَّا نتطلَّع إلى بيئةِ عملٍ أكثر جودة، وخدمات أكثر احترافًا، فإنَّ البداية لا تكونُ بالانتقادِ، بل برفع سقف التوقُّعات، والتمسُّك بالحدِّ الأدنى الذي لا يُتنازل عنه.
* نقطة تحت السطر:
الأرزاقُ مكتوبةٌ.. لكنَّ قيمةَ الرِّزقِ تُحفَظ بإتقانِ العملِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store