Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. صالح عبدالعزيز الكريّم

«الحلم» ومرضى «الحرج»!!

A A
هناك فئاتٌ في المجتمع يُطلق عليهم أصحابُ الأعذار، ليس عليهم حرجٌ إنْ هم أتوا ببعض ما يخالف الشَّرع، أو ما طُلبَ منهم شرعًا، ومَن يلومهم فيما أتوا بسبب الحرج يُعدُّ هو المخالف للشَّرع، وهذا يؤكِّده قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، فرفعُ الحرجِ في الشريعةِ الإسلاميَّة أصلٌ من أصولها، والمقصود بالحرجِ الإثمُ، يعني لا يأثمُ إنْ عمل خلاف الشَّرع، وأعتقدُ جازمًا أنَّه يلحق بذلك بعض التصرُّفات التي تخالف عادات المجتمع، ولا تليق به إنْ مارسها البعضُ؛ بسبب الجهل، أو المرض.
هناك تصرُّفات سلوكيَّة تبدر من بعض النَّاس خاصَّة كبار السنِّ غير مقبولة، لكنَّهم معذورُونَ (أصحاب حرج) إنْ حصلت منهم؛ ليقيننَا أنَّ لديهم مَا يبرِّر فعلهم، فلا يجبُ بالتالي أنْ يكون تصرُّفنَا نحوهم فيه فضاضةٌ وغلاظةٌ، منظر حكاهُ لِي أحدُ الأصدقاءِ أنَّ رجلًا كبيرًا في السنِّ عند وصوله بالقُرب من الإشارة ما كان منهُ إلَّا أنْ خرجَ مسرعًا من السيَّارة، وبدون إدراكٍ منه تبوَّل في جهةِ جدارٍ، ثمَّ عادَ إلى سيَّارته فهاجَ النَّاسُ عليهِ، وماجُوا، وهناك مَن صرخ في وجهه، من المؤكَّد أنَّ تصرُّفه خطأ ١٠٠٪، كمَا أنَّه من المؤكَّد أنَّ مَن هاجَ وماجَ وصرخَ في وجهه خطأ ١٠٠٪؛ لأنَّه فعلٌ وانتهَى، وقد يكون معذورًا ومريضًا، وربنا رفعَ الحرجَ عن المريضِ، ولو قارنَّا تصرُّف النَّاس مع هذا الرجلِ بتصرُّف رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- معَ الأعرابيِّ الذي بالَ في المسجدِ؛ لعرفنَا أنَّنا نفتقرُ إلى سيِّد الأخلاق: «الحلم»، كيفَ عاملَه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بحلمٍ متناهٍ، ووجَّهه توجيهًا لما يجبُ أنْ يكون عليه حالهُ، وأمرَ بدلوٍ من ماءٍ؛ لتطهيرِ المكانِ، الأعرابيُّ هنَا جاهلٌ، فعلَّمه رسولُ اللهِ، وكانَ حليمًا معه، وصاحبُ الإشارةِ قد يكونُ مريضًا بسلسِ البولِ، وهُو فقدان السيطرةِ على المثانة، وهي مشكلةٌ شائعةٌ عند كبارِ السنِّ ناتجة عن ضعف عضلاتِ الحوضِ، أو تضخُّم البروستاتا، أو التهاب في المسالك، فكانَ بحاجةٍ إلى مَن يوجِّهه ويرشدهُ إلى فعل أفضل مِن ذلك، باتِّخاذ تصرُّفات في المستقبل تبعده عن فعلهِ هذَا، أو تكراره، لقدْ كان -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- حليمًا إلى أبعد الحدود معَ الأعرابيِّ، وهو ما نفتقرُ إليه اليوم بالحلمِ على النَّاس.
إنَّ غياب صفة الحلم بيننا، سببها عدم تعودنا عليها، وبعدنا عن ممارستها في حياتنا، وهي من الأمور المقدور عليها؛ لقوله عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «العِلمُ بالتَّعلمِ والحلمُ بالتَّحلُّمِ» فيمكن أنْ نوجدهَا ونصنعهَا في حياتنا إذا درَّبنا أنفسنا عليها، ومن خلالها نعلِّم الجاهلَ ونعذر المريضَ، ولا نحمقُ عليهما، ولا على تصرُّفاتهمَا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store