ألقى قرارُ جامعةِ الملك سعود -سواء نُفِّذ، أمْ جُمِّد، أمْ كانَ مجرَّد بالونِ اختبارٍ- حجرًا ضخمًا في بركة التعليم العالي الرَّاكدة. فجأةً، وجدنا أنفسنا أمام جدل صاخب في المجالس، ومنصَّات التواصل حول إلغاء تخصُّصات إنسانيَّة، وأخرى نظريَّة. ورغم أنَّ الجامعة فتحت باب القبول مجددًا، وغاب البيانُ الرسميُّ الحاسم، إلَّا أنَّ الدخان الذي تصاعد لا يمكن تجاهله. فهناك نارٌ تحت الرَّماد، نارُ الأسئلة الصَّعبة التي حان وقت طرحها بشفافية وموضوعيَّة عن واقع جامعاتِنَا الحكوميَّة بالذَّات.
لفهم أبعاد هذا القرار، وتبعاته، التي لم تنتهِ بعد، علينا أنْ نبتعدَ خطوة للوراء؛ لنرى الصورة الكليَّة. كيف نصنِّف جامعاتنا الحكوميَّة اليوم؟ وهل تقف على أرضيَّة متينة وفقًا للتقسيمات العالميَّة المعروفة؟
في العالم المتقدِّم، لا توجد جامعة واحدة «تفعل كل شيء» بنفس الكفاءة. هناك تقسيم صارم وواضح للمنظومة الأكاديميَّة: جامعات شاملة (Comprehensive Universities)، وجامعات متخصِّصة، وأخرى تطبيقيَّة وبحثيَّة. أمَّا نحنُ، فلو تأمَّلنا خريطة جامعاتنا الحكوميَّة التي تجاوزت العشرين، سنجد أنفسنا أمام ظاهرة عجيبة يمكن تسميتها بـ»الاستنساخ الأكاديميِّ».
لقد طبعنا الجامعات في العقود الماضية، كما نطبع الكتب المدرسيَّة المقرَّرة، نسخة واحدة تتكرَّر في كل منطقة ومحافظة. «الجامعة الشاملة» لدينا هي القاعدة الأساسيَّة التي لا استثناء فيها، تضمُّ كلَّ شيءٍ تقريبًا، من الطب، والهندسة، إلى الآداب والتربية، والعلوم الإداريَّة. تتشابه هذه الجامعات الشاملة في هياكلها التنظيميَّة، ومناهجها، ولوائحها. أوجه الشبه بينها تكاد تكون متطابقةً، وكأنَّ الإبداع الأكاديمي توقَّف عند حدود قالب واحد، صُبَّت فيه عشرات الجامعات. هذا التناسخ في فكرة الإنشاء، ربَّما كان مقبولًا ومطلوبًا في مرحلة التأسيس، ونشر التعليم في الأرجاء المترامية، لكنَّه اليوم، وفي ظلِّ المتغيِّرات المتسارعة، أصبح عبئًا ثقيلًا.
في المقابل، ماذا عن الجامعات المتخصِّصة الحكوميَّة؟ هي نادرة الوجود مقارنةً بالشاملة، وتختلف عنها جذريًّا في فلسفة التأسيس. إنَّها تركِّز جهودها وميزانيَّاتها على قطاعات محدَّدة كالتقنية، والبترول والمعادن، كما هو الحال المتفرِّد لجامعة الملك فهد، حيث تضيق فيها مساحة التشتُّت، وتتَّسع مساحة العمق. والسؤال الأهم: هل هي متميِّزة عالميًّا؟ الواقعُ يقولُ إنَّ الجامعات المتخصِّصة لدينا -أو تلك التي تبنَّت نموذجًا بحثيًّا مستقلًّا- هي مَن شقَّ طريقه بامتياز في التصنيفات الدولية؛ لأنَّها عرفت «بوصلتها»، وركَّزت مواردها في مساراتها النوعيَّة، في حين لا تزال المنظومات الشاملة تكافح لتوازن بين متطلَّبات الاعتماد الأكاديميِّ، ومخرجات لا يطلبها أحد.
هذا الجدل الذي أثارته جامعة الملك سعود، ليس مجرَّد أزمة قبول وعزوف مؤقَّت عن تخصُّصات إنسانيَّة، بل هو صرخة استيقاظ. إنَّنا في أمسِّ الحاجة إلى تطويرٍ جذريٍّ، وفكِّ الارتباط مع فكرة «الجامعة التي تدرِّس كلَّ شيءٍ لكلِّ النَّاسِ».
جامعات الغد لا تُبنَى على الاستنساخ، بل على التميُّز والتفرُّد. نحن بحاجة إلى الانتقال من الحرم الجامعيِّ التقليديِّ إلى بيئات تعليميَّة مرنة تواكب سوقًا يتغيَّر كل صباح. التخصُّصات الإنسانية ليست عيبًا ليتم بترها، فبناء الإنسان يبدأ منها، ولكن العيب في بقائها جامدة في قوالب الأمس تلقن الماضي، بينما العالم يعيش في الغد.
إنَّ قرار الجامعة -أو شبه القرار- لم يكنْ سوى جرس إنذار، ومناسبة ذهبية؛ لكي نعيد ترتيب البيت الأكاديميِّ من الداخل، ونتوقف عن نسخ الماضي، لنصنع بشجاعة حقيقيَّة جامعات الغد.


