وجدتُني في مأزقٍ حين شرعتُ في الكتابة عن مفهوم «الزَّمن المكسور» العصيِّ على الفهم المباشر، فهو يتعلَّق بالشعور الذاتيِّ بجوهر الزَّمن، وإمكانية انكساره من خلال التجربة الإنسانيَّة الفرديَّة. فالزَّمنُ قد يظهر وكأنَّه خطٌّ مستقيمٌ بتعاقب الساعات والأيام، لكنَّه بمفهوم أعمق، ذاك الشرخ الذي يحدث بين الشعور بالوقت وانسيابه الفيزيائيِّ.
يكشف مفهوم «الزَّمن المكسور» عن تشظِّي الزَّمن داخل الإنسان نفسه؛ فهو اللحظة التي يتوقَّف فيها الوعي عن مجاراة حركة العالم؛ فيستقل بمداره الزمنيِّ الخاص، حتى يصبح الماضي أقربَ من الحاضر، والمستقبل ظلًّا لحاضر لم يتحقق.
هكذا، في لحظة فَقْدٍ وجوديٍّ حادٍّ، لا يعود الزَّمن «تعاقب أيام» فحسب، بل ينشق إلى ما قبل الصدمة وما بعدها؛ فثوانٍ قليلة قد تمتد وكأنَّها أعوامٌ مديدة، ويتحوَّل ما كنا نترقَّبه «مستقبلًا» ممكنًا، إلى ماضٍ يستحيل استعادته!.
ينكسرُ الزَّمنُ حين يتحوَّل من تيارٍ جارِ إلى فسيفساء من لحظات متناثرة؛ فمَن يغرق في «الحنين» يقيم في زمنٍ ماضٍ داخل عقلٍ حاضرٍ، ومَن ينغمس في «القلق» يعيش مستقبله قبل أنْ يبلغه. هكذا تصبح المشاعر الإنسانيَّة مركز تشابك الأزمنة وتعقيدها، ويغدو هذا الانكسار تأويلًا نفسيًّا لمجرى الزَّمن؛ وخرقًا لنسق تسلسله، حتى يُقَاس بالانتظار والغياب أكثر ممَّا يُقَاس بالساعات.
«الزَّمن المكسور» زمنُ الإنسان المعاصر الذي تاه بين التسارع الماديِّ والتأخُّر الروحيِّ، بحيث ينفصل الوعي عن الحدث، وبهذا المعنى، هو انعكاس لتصدُّع الذات نفسها؛ وصف لتجربة بشريَّة يتشظَّى فيها الترابط بين الماضي والحاضر والمستقبل داخل الوعي. وهذا المفهوم، أقرب إلى ما يُسمَّى في الفلسفة بـ»الزَّمن الوجوديِّ»، أي الزَّمن الذي يُقاس بالشعور لا بالساعة.
في جوهره، يُعدُّ «الزَّمن المكسور» انعكاسًا لذات متعبة تحمَّلت فوق طاقتها. وهو توصيف لحالة وجوديَّة يختل فيها ترابط الماضي والحاضر والمستقبل داخل التجربة النفسيَّة، وإصلاح العلاقة بينهم يقتضي إدراكًا سليمًا للذات أوَّلًا، ومن ثم إعادة ترتيب زمننا الداخلي، بحيث يوضع الماضي في مكانه، ويُعاش الحاضر حضورًا فعليًّا، وينبني المستقبل على ما هو ممكن.
والآن، هل استوعبت مفهوم انكسار الزَّمن؟ وهل تحسُّ أحيانًا أنَّ زمنك الداخليَّ في حالة تصدُّع مشتَّت، منفصل -بصورةٍ ما- عن الوقت التقليديِّ الذي تقيسه الساعاتُ؟.


